و قوله:"كافة"في الموضعين حال عن الضمير الراجع إلى المسلمين أو المشركين أو في الأول عن الأول وفي الثاني عن الثاني أو بالعكس فهناك وجوه أربعة ، والمتبادر إلى الذهن هو الوجه الرابع للقرب اللفظي الذي بين الحال وذي الحال حينئذ ، ومعنى الآية على هذا: وقاتلوا المشركين جميعهم كما يقاتلونكم جميعكم.
فالآية توجب قتال جميع المشركين فتصير نظيره قوله تعالى:"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم"الآية ينسخ هذه ما ينسخ تلك وتتخصص أو تتقيد بما تخصص أو تقيد به هي.
والآية مع ذلك إنما تتعرض لحال القتال مع المشركين وهم عبدة الأوثان غير أهل الكتاب فإن القرآن وإن كان ربما نسب الشرك تصريحا أو تلويحا إلى أهل الكتاب لكنه لم يطلق المشركين على طريق التوصيف إلا على عبدة الأوثان ، وأما الكفر فعلا أو وصفا فقد نسب إلى أهل الكتاب وأطلق عليهم كما نسب وأطلق إلى عبدة الأوثان.
فالآية أعني قوله:"و قاتلوا المشركين كافة"الآية لا هي ناسخة لآية أخذ الجزية من أهل الكتاب ، ولا هي مخصصة أو مقيدة بها.
وقد قيل في الآية بعض وجوه أخر تركناه لعدم جدوى في التعرض له.
وقوله:"و اعلموا أن الله مع المتقين"تعليم وتذكير وفيه حث على الاتصاف بصفة التقوى يترتب عليه من الفائدة: أولا: الوعد الجميل بالنصر الإلهي والغلبة والظفر فإن حزب الله هم الغالبون.
وثانيا: منعهم أن يتعدوا حدود الله في الحروب والمغازي بقتل النساء والصبيان ومن ألقى إليهم السلام كما قتل خالد في غزوة حنين مرأة فأرسل إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ينهاه عن ذلك وقتل رجالا من بني جذيمة وقد أسلموا فوداهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتبرأ إلى الله من فعله ثلاثا ، وقتل أسامة يهوديا أظهر له الإسلام فنزل قوله تعالى:"و لا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة: النساء: - 94 وقد تقدم."
قوله تعالى:"إنما النسيء زيادة في الكفر"إلى آخر الآية يقال: نسأ الشيء ينسؤه نسأ ومنسأة ونسيئا إذا أخره تأخيرا ، وقد يطلق النسيء على الشهر الذي أخر تحريمه على ما كانت العرب تفعله في الجاهلية فإنهم ربما كانوا يؤخرون حرمة بعض الأشهر الحرم إلى غيره وأما أنه كيف كان ذلك فقد اختلف فيه كلام المفسرين كأهل التاريخ.
والذي يظهر من خلال الكلام المسرود في الآية أنه كانت لهم فيما بينهم سنة جاهلية في أمر الأشهر الحرم وهي المسماة بالنسيء ، وهو يدل بلفظه على تأخير الحرمة من شهر حرام إلى بعض الشهور غير المحرمة الذي بعده ، وأنهم إنما كانوا يؤخرون الحرمة ولا يبطلونها برفعها من أصلها لإرادتهم بذلك أن يتحفظوا على سنة قومية ورثوها عن أسلافهم عن إبراهيم (عليه السلام) .
فكانوا لا يتركون أصل التحريم لغي وإنما يؤخرونه إلى غير الشهر سنة أو أزيد ليواطئوا عدة ما حرم الله ، وهي الأربعة ثم يعودون ويعيدون الحرمة إلى مكانها الأول.
وهذا نوع تصرف في الحكم الإلهي بعد كفرهم بالله باتخاذ الأوثان شركاء له تعالى وتقدس ، ولذا عده الله سبحانه في كلامه زيادة في الكفر.
وقد ذكر الله سبحانه من الحكم الخاص بحرمة الأشهر الحرم النهي عن ظلم الأنفس حيث قال:"فلا تظلموا فيهن أنفسكم"وأظهر مصاديقه القتال كما أنه المصداق الوحيد الذي استفتوا فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فحكاه الله سبحانه بقوله:"يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه"الآية: البقرة: - 217 وكذا ما في معناه من قوله:"لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام:"المائدة: - 2 وقوله:"جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد:"المائدة: - 97.
وكذلك الأثر الظاهر من حرمة البيت أو الحرم هو جعل الأمن فيه كما قال:"و من دخله كان آمنا:"آل عمران: - 97 وقال:"أ ولم نمكن لهم حرما آمنا: القصص: - 57."
فالظاهر أن النسيء الذي تذكره الآية عنهم إنما هو تأخير حرمة الشهر الحرام.
للتوسل بذلك إلى قتال فيه لا لتأخير الحج الذي هو عبادة دينية مختصة ببعضها.