و قوله:"يستبدل قوما غيركم"أي يستبدل بكم قوما غيركم لا يتثاقلون في امتثال أوامر الله والنفر في سبيل الله إذا قيل لهم: انفروا ، والدليل على هذا المعنى قرينة المقام.
وقوله:"و لا تضروه شيئا"إشارة إلى هوان أمرهم على الله سبحانه لو أراد أن يذهب بهم ويأتي بآخرين فإن الله لا ينتفع بهم بل نفعهم لأنفسهم فضررهم على أنفسهم ، وقوله:"و الله على كل شيء قدير"تعليل لقوله:"يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم".
قوله تعالى:"إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار"ثاني اثنين أي أحدهما ، والغار الثقبة العظيمة في الجبل ، والمراد به غار جبل ثور قرب مني وهو غير غار حراء الذي ربما كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يأوي إليه قبل البعثة للأخبار المستفيضة ، والمراد بصاحبه هو أبو بكر للنقل القطعي.
وقوله:"إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا"أي لا تحزن خوفا مما تشاهده من الوحدة والغربة وفقد الناصر وتظاهر الأعداء وتعقيبهم إياي فإن الله سبحانه معنا ينصرني عليهم.
وقوله:"فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها"أي أنزل الله سكينته على رسوله وأيد رسوله بجنود لم تروها يصرفون القوم عنهم بوجوه من الصرف بجميع العوامل التي عملت في انصراف القوم عن دخول الغار والظفر به (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد روي في ذلك أشياء ستأتي في البحث الروائي إن شاء الله تعالى.
والدليل على رجوع الضمير في قوله:"فأنزل الله سكينته عليه"إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أولا: رجوع الضمائر التي قبله وبعده إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) كقوله:"إلا تنصروه"و"نصره"و"أخرجه"و"يقول"و"لصاحبه"و"أيده"فلا سبيل إلى رجوع ضمير"عليه"من بينها وحده إلى غيره من غير قرينة قاطعة تدل عليه.
وثانيا: أن الكلام في الآية مسوق لبيان نصر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث لم يكن معه أحد ممن يتمكن من نصرته إذ يقول تعالى:"إلا تنصروه فقد نصره الله إذ"الآية وإنزال السكينة والتقوية بالجنود من النصر فذاك له (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة.
ويدل على ذلك تكرار"إذ"وذكرها في الآية ثلاث مرات كل منها بيان لما قبله بوجه فقوله"إذ أخرجه الذين كفروا"بيان لوقت قوله:"فقد نصره الله"وقوله:"إذ هما في الغار"بيان لتشخيص الحال الذي هو قوله:"ثاني اثنين"وقوله:"إذ يقول لصاحبه"بيان لتشخيص الوقت الذي يدل عليه قوله:"إذ هما في الغار".
وثالثا: أن الآية تجري في سياق واحد حتى يقول:"و جعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا"ولا ريب أنه بيان لما قبله ، وأن المراد بكلمة الذين كفروا هي ما قضوا به في دار الندوة وعزموا عليه من قتله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإطفاء نور الله ، وبكلمة الله هي ما وعده من نصره وإتمام نوره ، وكيف يجوز أن يفرق بين البيان والمبين وجعل البيان راجعا إلى نصره تعالى إياه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والمبين راجعا إلى نصره غيره.
فمعنى الآية: إن لم تنصروه أنتم أيها المؤمنون فقد أظهر الله نصره إياه في وقت لم يكن له أحد ينصره ويدفع عنه وقد تظاهرت عليه الأعداء وأحاطوا به من كل جهة وذلك إذ هم المشركون به وعزموا على قتله فاضطر إلى الخروج من مكة في حال لم يكن إلا أحد رجلين اثنين ، وذلك إذ هما في الغار إذ يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لصاحبه وهو أبو بكر: لا تحزن مما تشاهده من الحال إن الله معنا بيده النصر فنصره الله.
حيث أنزل سكينته عليه وأيده بجنود غائبة عن أبصاركم ، وجعل كلمة الذين كفروا - وهي قضاؤهم بوجوب قتله وعزيمتهم عليه - كلمة مغلوبة غير نافذة ولا مؤثرة ، وكلمة الله - وهي الوعد بالنصر وإظهار الدين وإتمام النور - هي العليا العالية القاهرة والله عزيز لا يغلب حكيم لا يجهل ولا يغلط في ما شاءه وفعله.