فهرس الكتاب

الصفحة 1923 من 4314

و قد تبين مما تقدم أولا أن قوله:"فأنزل الله سكينته عليه"متفرع على قوله:"فقد نصره الله"في عين أنه متفرع على قوله:"إذ يقول لصاحبه لا تحزن"فإن الظرف ظرف للنصرة على ما تقدم ، والكلام مسوق لبيان نصره تعالى إياه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا غيره فالتفريع تفريع على الظرف بمظروفه الذي هو قوله:"فقد نصره الله"لا على قوله:"يقول لصاحبه لا تحزن".

وربما استدل لذلك بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يزل على سكينة من ربه فإنزال السكينة في هذا الظرف خاصة يكشف عن نزوله على صاحبه.

ويدفعه أولا قوله تعالى:"ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين"في قصة حنين ، والقول بأن نفسه الشريفة اضطربت بعض الاضطراب في وقعة حنين فناسب نزول السكينة بخلاف الحال في الغار.

يدفعه أنه من الافتعال بغير علم فالآية لا تذكر منه (صلى الله عليه وآله وسلم) حزنا ولا اضطرابا ولا غير ذلك إلا ما تذكر من فرار المؤمنين.

على أنه يبطل أصل الاستدلال أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يزل على سكينة من ربه لا يتجدد له شيء منها فكيف جاز له أن يضطرب في حنين فتنزل عليه سكينة جديدة اللهم إلا أن يريدوا به أنه لم يزل في الغار كذلك.

ونظيرتها الآية الناطقة بنزول السكينة عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى المؤمنين في سورة الفتح:"إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين:"الفتح: - 26.

ويدفعه ثانيا: لزوم تفرع قوله:"و أيده بجنود لم تروها"على أثر تفرع قوله:"فأنزل الله سكينته عليه"لأنهما في سياق واحد ، ولازمه عدم رجوع التأييد بالجنود إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) أو التفكيك في السياق الواحد من غير مجوز يجوزه.

وربما التزم بعضهم - فرارا من شناعة لزوم التفكيك - أن الضمير في قوله تعالى:"و أيده"أيضا راجع إلى صاحبه ، ولازمه كون إنزال السكينة والتأييد بالجنود عائدين إلى أبي بكر دون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وربما أيده بعض آخر بأن الوقائع التي تذكر الآيات فيها نزول جنود لم يروها كوقعة حنين والأحزاب وكذا نزول الملائكة لوقعة بدر وإن لم تذكر نزولهم على المؤمنين ولم تصرح بتأييدهم بهم لكنهم حيث كانوا إنما نزلوا للنصر وفيه نصر المؤمنين وإمدادهم فلا مانع من القول بأن الجنود التي لم يروها إنما أيدت أبا بكر ، وتأييدهم المؤمنين جميعا أو أبا بكر خاصة تأييد منهم في الحقيقة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

والأولى على هذا البيان أن يجعل الفرع الثالث الذي هو قوله:"و جعل كلمة الذين كفروا السفلى"الآية مترتبا على ما تقدمه من الفرعين لئلا يلزم التفكيك في السياق.

ولا يخفى عليك أن هذا الذي التزموا به يخرج الآية عن مستقر معناها الوحداني إلى معنى متهافت الأطراف يدفع آخره أوله ، وينقض ذيله صدره فقد بدئت الآية بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أكرم على الله وأعز من أن يستذله ويحوجه إلى نصرة هؤلاء بل هو تعالى وليه القائم بنصره حيث لم يكن أحد من هؤلاء الحافين حوله المتبعين أثره ثم إذا شرعت في بيان نصره تعالى إياه بين نصره غيره بإنزال السكينة عليه وتأييده بجنود لم يروها إلى آخر الآية.

هب أن نصره تعالى بعض المؤمنين به (صلى الله عليه وآله وسلم) أو جميعهم نصر منه له بالحقيقة لكن الآية في مساق يدفعه البتة فإن الآية السابقة يجمع المؤمنين في خطاب واحد - يا أيها الذين آمنوا - ويعاتبهم ويهددهم على التثاقل عن إجابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ما أمرهم به من النفر في سبيل الله والخروج إلى الجهاد ثم الآية الثانية تهددهم بالعذاب والاستبدال إن لم ينفروا وتبين لهم أن الله ورسوله في غنى عنهم ولا يضرونه شيئا ، ثم الآية الثالثة توضح أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في غنى عن نصرهم لأن ربه هو وليه الناصر له ، وقد نصره حيث لم يكن لأحد منهم صنع فيه وهو نصره إياه إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت