فهرس الكتاب

الصفحة 1924 من 4314

و من البين الذي لا مرية فيه أن مقتضى هذا المقام بيان نصره (صلى الله عليه وآله وسلم) الخاص به المتعلق بشخصه من الله سبحانه خاصة من دون صنع لأحد من المؤمنين في ذلك لا بيان نصره إياه بالمؤمنين أو ببعضهم وقد جمعهم في خطاب المعاتبة ، ولا بيان نصره بعض المؤمنين به ممن كان معه.

ولا أن المقام مقام يصلح لأن يشار بقوله:"إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين"إشارة إجمالية إلى نصره العزيز لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم يؤخذ في تفصيل ما خص به صاحبه من الخصيصة بإنزال السكينة والتأييد بالجنود فإن المقام على ما تبين لك يأبى ذلك.

ويدفعه ثالثا: أن فيه غفلة عن حقيقة معنى السكينة وقد تقدم الكلام فيها في ذيل قوله تعالى:"ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين:"الآية: - 26 من السورة.

والأمر الثاني: أن المراد بتأييده (صلى الله عليه وآله وسلم) بجنود لم يروها تأييده بذلك يومئذ على ما يفيده السياق ، وأما قول بعضهم: إن المراد به ما أيده بالجنود يوم الأحزاب ويوم حنين على ما نطقت به الآيات فمما لا دليل عليه من اللفظ البتة.

والأمر الثالث: أن المراد بالكلمة في قوله:"و جعل كلمة الذين كفروا السفلى ، هو ما قضوا به في دار الندوة وعزموا عليه من قتله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإبطال دعوته الحقة بذلك ، وبقوله:"و كلمة الله هي العليا"هو ما وعد الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) من النصر وإظهار دينه على الدين كله."

وذلك أن هذه الآية بما تتضمنه من قوله:"فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا"تشير إلى ما يقصه قوله تعالى:"و إذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين:"الأنفال: - 30 ، والذي في ذيل الآية من إبطال كلمتهم وإحقاق الكلمة الإلهية مرتبط بما في صدر الآية من حديث الإخراج أي الاضطرار إلى الخروج لا محالة ، والذي اضطره (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الخروج هو عزمهم على قتله حسب ما اتفقوا عليه من القضاء بقتله فهذه هي الكلمة التي أبطلها الله سبحانه وجعلها السفلى وتقابلها كلمة الله وليست إلا النصر والإظهار.

ومن هنا يظهر أن قول بعضهم إن المراد بكلمة الذين كفروا الشرك والكفر ، وبكلمة الله تعالى التوحيد والإيمان غير سديد فإن الشرك وإن كان كلمة لهم ، والتوحيد كلمة لله لكنه لا يستلزم كونهما المرادين كلما ذكرت الكلمتان حتى مع وجود القرينة على الخلاف.

قوله تعالى:"انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون"الخفاف والثقال جمعا خفيف وثقيل ، والثقل بقرينة المقام كناية عن وجود الموانع الشاغلة الصارفة للإنسان عن الخروج إلى الجهاد نظير كثرة المشاغل المالية وحب الأهل والولد والأقرباء والأصدقاء الذي يوجب كراهة مفارقتهم ، وفقد الزاد والراحلة والسلاح ونحو ذلك ، والخفة كناية عن خلاف ذلك.

فالأمر بالنفر خفافا وثقالا وهما حالان متقابلان في معنى الأمر بالخروج على أي حال ، وعدم اتخاذ شيء من ذلك عذرا يعتذر به لترك الخروج كما أن الجمع بين الأموال والأنفس في الذكر في معنى الأمر بالجهاد بأي وسيلة أمكنت.

وقد ظهر بذلك أن الأمر في الآية مطلق لا يأبى التقييد بالأعذار التي يسقط معها وجوب الجهاد كالمرض والعمى والعرج ونحو ذلك فإن المراد بالخفة والثقل أمر وراء ذلك.

قوله تعالى:"لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك"إلى آخر الآية.

العرض ما يسرع إليه الزوال ويطلق على المال الدنيوي وهو المراد في الآية بقرينة السياق ، والمراد بقربه كونه قريبا من التناول ، والقاصد من القصد وهو التوسط في الأمر ، والمراد بكون السفر قاصدا كونه غير بعيد المقصد سهلا على المسافر ، والشقة: المسافة لما في قطعها من المشقة.

والآية كما يلوح من سياقها تعيير وذم للمنافقين المتخلفين عن الخروج مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الجهاد في غزوة تبوك إذ الغزوة التي خرج فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتخلف عنه المنافقون وهي على بعد من المسافة هي غزوة تبوك لا غيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت