و معنى الآية: لو كان ما أمرتهم به ودعوتهم إليه عرضا قريب التناول وغنيمة حاضرة وسفرا قاصدا قريبا هينا لاتبعوك يا محمد وخرجوا معك طمعا في الغنيمة ولكن بعدت عليهم الشقة والمسافة فاستصعبوا السير وتثاقلوا فيه.
وسيحلفون بالله إذا رجعتم إليهم ولمتموهم على تخلفهم: لو استطعنا الخروج لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم بما أخذوه من الطريقة: من الخروج إلى القتال طمعا في عرض الدنيا إذا استيسروا القبض عليه ، والتخلف عنه إذا شق عليهم ثم الاعتذار بالعذر الكاذب على نبيهم والحلف في ذلك بالله كاذبين ، أو يهلكون أنفسهم بهذا الحلف الكاذب ، والله يعلم إنهم لكاذبون.
قوله تعالى:"عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين"الجملة الأولى دعاء للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعفو نظير الدعاء على الإنسان بالقتل في قوله:"قتل الإنسان ما أكفره:"عبس: - 17 ، وقوله:"فقتل كيف قدر": المدثر: - 19 وقوله:"قاتلهم الله أنى يؤفكون:"التوبة: - 30.
والجملة متعلقة بقوله:"لم أذنت لهم"أي في التخلف والقعود ، ولما كان الاستفهام للإنكار أو التوبيخ كان معناه: كان ينبغي أن لا تأذن لهم في التخلف والقعود ، ويستقيم به تعلق الغاية التي يشتمل عليها قوله:"حتى يتبين لك الذين صدقوا"الآية.
بقوله:"لم أذنت لهم"فالتعلق إنما هو بالمستفهم عنه دون الاستفهام وإلا أفاد خلاف المقصود ، والكلام مسوق لبيان ظهور كذبهم وأن أدنى الامتحان كالكف عن إذنهم في القعود يكشف عن فصاحتهم.
ومعنى الآية: عفا الله عنك لم أذنت لهم في التخلف والقعود؟ ولو شئت لم تأذن لهم - وكانوا أحق به - حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين فيتميز عندك كذبهم ونفاقهم.
والآية - كما ترى وتقدمت الإشارة إليه - في مقام دعوى ظهور كذبهم ونفاقهم وأنهم مفتضحون بأدنى امتحان يمتحنون به ، ومن مناسبات هذا المقام إلقاء العتاب إلى المخاطب وتوبيخه والإنكار عليه كأنه هو الذي ستر عليهم فضائح أعمالهم وسوء سريرتهم ، وهو نوع من العناية الكلامية يتبين به ظهور الأمر ووضوحه لا يراد أزيد من ذلك فهو من أقسام البيان على طريق:"إياك أعني واسمعي يا جارة".
فالمراد بالكلام إظهار هذه الدعوى لا الكشف عن تقصير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسوء تدبيره في إحياء أمر الله ، وارتكابه بذلك ذنبا - حاشاه - وأولوية عدم الإذن لهم معناها كون عدم الإذن أنسب لظهور فضيحتهم وأنهم أحق بذلك لما بهم من سوء السريرة وفساد النية لا لأنه كان أولى وأحرى في نفسه وأقرب وأمس بمصلحة الدين.
والدليل على هذا الذي ذكرنا قوله تعالى بعد ثلاث آيات:"لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم"إلى آخر الآيتين ، فقد كان الأصلح أن يؤذن لهم في التخلف ليصان الجمع من الخبال وفساد الرأي وتفرق الكلمة ، والمتعين أن يقعدوا فلا يفتنوا المؤمنين بإلقاء الخلاف بينهم والتفتين فيهم وفيهم ضعفاء الإيمان ومرضى القلوب وهم سماعون لهم يسرعون إلى المطاوعة لهم ولو لم يؤذن لهم فأظهروا الخلاف كانت الفتنة أشد والتفرق في كلمة الجماعة أوضح وأبين.
ويؤكد ذلك قوله تعالى بعد آيتين:"و لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين"فقد كان تخلفهم ونفاقهم ظاهرا لائحا من عدم إعدادهم العدة يتوسمه في وجوههم كل ذي لب ، ولا يخفى مثل ذلك على مثل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد نبأه الله بأخبارهم قبل نزول هذه السورة كرارا فكيف يصح أن يعاتب هاهنا عتابا جديا بأنه لم لم يكف عن الإذن ولم يستعلم حالهم حتى يتبين له نفاقهم ويميز المنافقين من المؤمنين ، فليس المراد بالعتاب إلا ما ذكرناه.
ومما تقدم يظهر فساد قول من قال: إن الآية تدل على صدور الذنب عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لأن العفو لا يتحقق من غير ذنب ، وإن الإذن كان قبيحا منه (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن صغائر الذنوب لأنه لا يقال في المباح لم فعلته؟ انتهى.
وهذا من لعبهم بكلام الله سبحانه ، ولو اعترض معترض على ما يهجون به في مثل المقام الذي سيقت الآية فيه لم يرضوا بذلك ، وقد أوضحنا أن الآية مسوقة لغرض غير غرض الجد في العتاب.