فهرس الكتاب

الصفحة 1927 من 4314

و أما قوله:"إن الإذن المعفو عنه قد استتبع فوت المصلحة المنصوصة في الآية وهي تبين الذين صدقوا والعلم بالكاذبين"ففيه أن الذي تشتمل عليه الآية من المصلحة هو تبين الذين صدقوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلمه هو بالكاذبين لا مطلق تبينهم ولا مطلق العلم بالكاذبين ، وقد ظهر مما تقدم أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن يخفى عليه ذلك ، وأن حقيقة المصلحة إنما كانت في الإذن وهي سد باب الفتنة واختلاف الكلمة فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعلم من حالهم أنهم غير خارجين البتة سواء أذن لهم في القعود أم لم يأذن فبادر إلى الإذن حفظا على ظاهر الطاعة ووحدة الكلمة.

وليس لك أن تتصور أنه لو بان نفاقهم يومئذ وظهر خلافهم بعدم إذن النبي لهم بالقعود لتخلص الناس من تفتينهم وإلقائهم الخلاف لما في الإسلام يومئذ - وهو يوم خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى غزوة تبوك - من الشوكة والقوة ، وله (صلى الله عليه وآله وسلم) من نفوذ الكلمة.

فإن الإسلام يومئذ إنما كان يملك القوة والمهابة في أعين الناس من غير المسلمين كانوا يرتاعون شوكته ويعظمون سواد أهله ويخافون حد سيوفهم ، وأما المسلمون في داخل مجتمعهم وبين أنفسهم فلم يخلصوا بعد من النفاق ومرض القلوب ، ولم يستول عليهم بعد وحدة الكلمة وجد الهمة والعزيمة ، والدليل على ذلك نفس هذه الآيات وما يتلوها إلى آخر السورة تقريبا.

وقد كانوا تظاهروا بمثل ذلك يوم أحد وقد هجم عليهم العدو في عقر دارهم فرجع ثلث الجيش الإسلامي من المعركة ولم يؤثر فيهم عظة ولا إلحاح حتى قالوا: لو نعلم قتالا لاتبعناكم ، فكان ذلك أحد الأسباب العاملة في انهزام المسلمين.

وأما قوله: ومن عتابه تعالى لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطئه في اجتهاده ما تقدم في سورة الأنفال من عتابه في أخذ الفدية من أسارى بدر حيث قال:"ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض"الآية.

ففيه أولا: أنه من سوء الفهم فمن البين الذي لا يرتاب فيه أن الآية بلفظها لا تعاتب على أخذ الفدية من الأسرى وإنما تعاتب على نفس أخذ الأسرى - ما كان لنبي أن يكون له أسرى - ولم تنزل آية ولا وردت رواية في أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أمرهم بالأسر بل روايات القصة تدل على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أمر بقتل بعض الأسرى خاف الناس أن يقتلهم عن آخرهم فكلموه وألحوا عليه في أخذ الفدية منهم ليتقووا بذلك على أعداء الدين وقد رد الله عليهم ذلك بقوله:"تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة".

وهذا من أحسن الشواهد على أن العتاب في الآية متوجه إلى المؤمنين خاصة من غير أن يختص به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو يشاركهم فيه وأن أكثر ما ورد من الأخبار في هذا المعنى موضوعة أو مدسوسة.

وثانيا: أن العتاب في الآية لو اختص بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو شمله وغيره لم يكن من العتاب على ما ذكره على الذنب بمعناه اللغوي وهو تفويت المصلحة بوجه فإن هذا العتاب مذيل بقوله تعالى في الآية التالية:"لو لا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم:"الأنفال: - 68 فلا يرتاب ذو لب في أن التهديد بالعذاب العظيم لا يتأتى إلا مع كون المهدد عليه من المعصية المصطلحة بل ومن كبائر المعاصي ، وهذا أيضا من الشواهد على أن العتاب في الآية متوجه إلى غير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

قوله تعالى:"لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر"إلى آخر الآيتين تذكر الآيتان أحد ما يعرف به المنافق ويتميز به من المؤمن وهو الاستيذان في التخلف عن الجهاد في سبيل الله.

وقد بين الله سبحانه ذلك بأن الجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس من لوازم الإيمان بالله واليوم الآخر بحقيقة الإيمان لما يورثه هذا الإيمان من صفة التقوى ، والمؤمن لما كان على تقوى من قبل الإيمان بالله واليوم الآخر كان على بصيرة من وجوب الجهاد في سبيل الله بماله ونفسه.

ولا يدعه ذلك أن يتثاقل عنه فيستأذن في القعود لكن المنافق لعدم الإيمان بالله واليوم الآخر فقد صفة التقوى فارتاب قلبه ولا يزال يتردد في ريبة فيحب التطرف ، ويستأذن في التخلف والقعود عن الجهاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت