فهرس الكتاب

الصفحة 1930 من 4314

و في إعلام الورى ، وقصص الأنبياء ،: وبقي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار ثلاثة أيام ثم أذن الله تعالى له بالهجرة ، وقال: اخرج من مكة يا محمد فليس لك بها ناصر بعد أبي طالب فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . وأقبل راع لبعض قريش يقال له: ابن أريقط فدعاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له: يا ابن أريقط آتمنك على دمي؟ فقال: إذن والله أحرسك وأحفظك ولا أدل عليك ، فأين تريد يا محمد؟ قال: يثرب. قال: لأسلكن بك مسلكا لا يهتدي فيها أحد فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ائت عليا وبشره بأن الله قد أذن لي في الهجرة فهيىء لي زادا وراحلة. وقال له أبو بكر: ائت أسماء ابنتي وقل لها: تهيئي لي زادا وراحلتين ، وأعلم عامر بن فهيرة أمرنا ، وكان من موالي أبي بكر وكان قد أسلم ، وقل له: ائتنا بالزاد والراحلتين. فجاء ابن أريقط إلى علي (عليه السلام) فأخبره بذلك فبعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بزاد وراحلة ، وبعث ابن فهيرة بزاد وراحلتين ، وخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الغار وأخذ به ابن أريقط على طريق نخلة بين الجبال فلم يرجعوا إلى الطريق إلا بقديد فنزلوا على أم معبد هناك. قال: وقد كانت الأنصار بلغهم خروج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم وكانوا يتوقعون قدومه إلى أن وافى مسجد قبا ونزل فخرج الرجال والنساء يستبشرون بقدومه.

أقول: والأخبار في تفاصيل قصص الهجرة بالغة في الكثرة رواها أصحاب النقل وأرباب السير من الشيعة وأهل السنة ، وهي على كثرتها متدافعة مضطربة لا يسع نقدها واستخراج الصافي منها مجال هذا الكتاب ، وللدلالة على إجمال القصة فيما أوردناه كفاية وهو كالمتفق عليه بين أخبار الفريقين.

وفي الدر المنثور ، أخرج خيثمة بن سليمان الطرابلسي في فضائل الصحابة وابن عساكر عن علي بن أبي طالب قال: إن الله ذم الناس كلهم ومدح أبا بكر فقال: إلا تنصروه فقد نصره الله - إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار - إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا.

أقول: نقد البحث في مضامين الآيات الحافة بالقصة وما ينضم إليها من النقل الصحيح يوجب سوء الظن بهذه الرواية فإن الآيات التي تذم المؤمنين - أو الناس كلهم كما في الرواية - وإليها تشير آية الغار بما فيها من قوله:"إلا تنصروه"هي قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض"الآية ، والنقل القطعي يدل على أن التثاقل المذكور لم يكن من عامة المؤمنين وجميعهم ، وإن كثيرا منهم سارع إلى إجابة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما أمر به من النفر ، وإنما تثاقل جماعة من الناس من مؤمن ومنافق.

فخطاب"يا أيها الذين آمنوا"الشامل لجميع المؤمنين ، والذم المتعقب له إنما هو من خطاب الجماعة بشأن بعضهم كخطاب اليهود بقوله:"فلم تقتلون أنبياء الله:"البقرة: - 91 وغيره ، وهو كثير في القرآن غير أن ديدن القرآن في مثل هذه الموارد أن لا يضيع حق الصالحين ولا أجر المحسنين أعني الأقلين الذين تعمهم أمثال هذه الخطابات العامة بالذم والتوبيخ فيتدارك أمرهم ويستثنيهم ويذكرهم بالجميل كما فعل ذلك فيما سيأتي في هذه السورة من الآيات المادحة للمؤمنين الشاكرة لجميل مساعيهم بقوله:"و المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض"الآية ، وغيره.

وإذا كانت الآيات - وقد نزلت في غزوة تبوك - تعم المؤمنين جميعا المسارعين في الخروج والمتثاقلين فيه من غير استثناء فهي تشمل عامة الصحابة والمؤمنين وفيهم أبو بكر نفسه غير أنه تعالى تدارك ما لحق بالمسارعين في الطاعة والإجابة منهم في آيات تالية وشكر سعيهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت