فهرس الكتاب

الصفحة 1931 من 4314

فلو كان قوله في الآية:"إلا تنصروه"وهو يشير إلى ما تقدم من حديث التثاقل ويومىء إليه ذما للناس كلهم كان ذما لأبي بكر كما هو ذم لغيره بعدم نصرتهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو تثاقلهم في نصره ، ومع ذلك لا تسمح الآية بالدلالة على نصر أبي بكر له (صلى الله عليه وآله وسلم) بما فيها من قوله:"فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا"بل لو دل لدل على نصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي بكر حيث طيب قلبه وسلاه بقوله:"لا تحزن إن الله معنا".

على أنك قد عرفت في البيان السابق أن الآية بمقتضى المقام لا تتعرض إلا لنصر الله سبحانه وحده نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعينه وشخصه ، قبال ما يفرض من عدم نصر كافة المؤمنين له وخذلانهم إياه فدلالة الآية على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الغار لم ينصره إلا الله سبحانه وحده دلالة قطعية.

وهذا المعنى في نفسه أدل شاهد على أن الضمائر في تتمة جمل الآية:"فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا"للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والجمل مسوقة لبيان قيامه تعالى وحده بنصره نصرا عزيزا غيبيا لا صنع فيه لأحد من الناس ، وهو إنزال السكينة عليه وتأييده بجنود غائبة عن الأبصار ، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وإعلاء كلمة الحق والله عزيز حكيم.

وأما غير نصره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من المناقب التي يمدح الإنسان عليها فلو كان هناك شيء من ذلك لكان هو ما في قوله:"ثاني اثنين"وما في قوله:"لصاحبه"فلنسلم أن كون الإنسان ثانيا لاثنين أحدهما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكونه صاحبا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مذكورا في القرآن بالصحبة من المفاخر التي يتنفس لها لكنها من المناقب الاجتماعية التي تقدر لها في المجتمعات قيمة ونفاسة ، وأما القرآن الكريم فللقيمة فيه ملاك آخر ، وللفضل والشرف في منطقه معنى آخر متكىء على حقيقة هي أعلى من المقاصد الوضعية الاجتماعية ، وهي كرامة العبودية ودرجات القرب والزلفى.

ومجرد الصحابة الجسمانية والدخول في العدد لا يدل على شيء من ذلك ، وقد تكرر في كلامه تعالى أن التسمي بمختلف الأسماء والتلبس بما يتنفس فيه عامة الناس ويستعظمه النظر الاجتماعي لا قيمة له عند الله سبحانه ، وأن الحساب على ما في القلوب دون ما يتراءى من ظواهر الأعمال وتقدمة الأحساب والأنساب.

وقد أفصح عنه في مورد أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وملازميه خاصة بأبلغ الإفصاح قوله تعالى:"محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا - إلى أن قال - وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما:"الفتح: - 29 فانظر إلى ما في صدر الآية من المدح وما في ذيله من القيد وتدبر.

هذه نبذة مما يتعلق بالآية والرواية من البحث ، والزائد على هذا المقدار يخرجنا من البحث التفسيري إلى البحث الكلامي الذي هو خارج عن غرضنا.

وفي الدر المنثور ، أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس: في قوله:"فأنزل الله سكينته عليه"قال: على أبي بكر لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يزل السكينة معه. وفيه ، أخرج الخطيب في تاريخه عن حبيب بن أبي ثابت:"فأنزل الله سكينته عليه"قال: على أبي بكر فأما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد كانت عليه السكينة.

أقول: قد حقق فيما تقدم أن الضمير راجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما يهدي إليه السياق ، والروايتان على ما بهما من الوقف ضعيفتان ، ولا حجية لقول ابن عباس ولا حبيب لغيرهما.

وأما الحجة التي أورداهما فيهما وهي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم تزل السكينة معه فمدخولة يدفعها قوله تعالى في قصة حنين:"ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين"الآية: التوبة: - 26 ونظيرته آية سورة الفتح المشيرة إلى قصة الحديبية وهما تصرحان بنزول السكينة عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) في خصوص المورد فليكن الأمر على تلك الوتيرة في الغار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت