فهرس الكتاب

الصفحة 1932 من 4314

و كان بعضهم أحس بالإشكال فحمل قولهما في الروايتين: أن السكينة لم تزل مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على معنى آخر وهو كون السكينة ملازمة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار فيكون قرينة على كون التي نزلت فيه إنما نزلت على صاحبه دونه ، ولعل رواية حبيب أقرب دلالة على ما ذكره.

قال بعد إيراد رواية ابن عباس ثم رواية حبيب: وقد أخذ بهذه الرواية بعض مفسري اللغة والمعقول ووضحوا ما فيها من التعليل بأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يحدث له وقتئذ اضطراب ولا خوف ولا حزن ، وقواها بعضهم بأن الأصل في الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور.

وليس هذا بشيء.

وذهب آخرون إلى أن الضمير يعود إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأن إنزال السكينة عليه لا يقتضي أن يكون خائفا أو مضطربا أو منزعجا.

وهذا ضعيف لعطف إنزال السكينة على ما قبلها الدال على وقوعه بعده وترتبه عليه ، وأن نزولها وقع بعد قوله لصاحبه: لا تحزن.

انتهى.

أما ما ذكروه من عدم طرو خوف واضطراب عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقتئذ فإن كانوا استفادوه من عدم ذكر شيء من ذلك في الآية أو في رواية معتمد عليها فكلامه تعالى في قصة حنين والحديبية أيضا خال عن ذكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بخوف أو حزن أو اضطراب ، ولم ترد رواية معتمد عليها تدل على ذلك فكيف استقام ذكر نزول السكينة عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهما؟.

وإن قالوا باستلزام إنزال السكينة الاضطراب والخوف والحزن فهو ممنوع كما تقدم كيف؟ ونزول نعمة من النعم الإلهية لا يتوقف على سبق الاتصاف بحالة مضادة لها ونقمة مقابلة لها كنزول الرحمة بعد الرحمة والنعمة بعد النعمة والإيمان والهداية بعد الإيمان والهداية وغير ذلك ، وقد نص القرآن الكريم بأمور كثيرة من هذا القبيل.

وأما قوله: إن رجوع الضمير إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ضعيف لعطف إنزال السكينة على ما قبلها الدال على وقوعه بعده وترتبه عليه وأن نزولها وقع بعد قوله لصاحبه: لا تحزن.

انتهى.

ففيه: أنه لا ريب أن فاء التفريع تدل على ترتب ما بعدها على ما قبلها ووقوعه بعده لكن بعدية رتبية لا بعدية زمانية ولم يقل أحد بوجوب كونها زمانية دائما.

فمن الواجب فيما نحن فيه أن يترتب قوله:"فأنزل الله سكينته عليه وأيده"على ما تقدم عليه من الكلام لا على ما هو أقرب إليه من غيره إلا على القول بأن الأصل في الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور ، وقد ضعفه في سابق كلامه.

والذي يصلح من سابق ليتعلق به التفريع المذكور هو قوله: فقد نصره الله في كذا وكذا وقتا وتفرع هذه الفروع عليه من قبيل تفرع التفصيل على الإجمال والسياق على استقامته:"فقد نصره الله في وقت كذا فأنزل سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى."

فظهر أن ما أجاب به أخيرا هو عين ما ضعفه أولا من حديث أصل قرب المرجع من الضمير - ذاك الأصل الذي لا أصل له - كرره ثانيا بتغيير ما في اللفظ.

ومن هنا يظهر جهة المناقشة في رواية أخرى رواها في الدر المنثور ، عن ابن مردويه عن أنس بن مالك"قال: دخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبو بكر غار حراء فقال أبو بكر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لو أن أحدهم يبصر موضع قدمه لأبصرني وإياك فقال: ما ظنك باثنين الله ثالثهما إن الله أنزل سكينته عليك وأيدني بجنود لم تروها."

على أن الرواية تذكر غار حراء وقد ثبت بالمستفيض المتكاثر من الأخبار أن الغار كان غار ثور لا غار حراء.

على أن الرواية مشتملة على تفكيك السياق صريحا بما فيها من قوله: أنزل سكينته عليك وأيدني بجنود ، إلخ.

وقد أورد الآلوسي في روح المعاني ، الرواية هكذا:"إن الله أنزل سكينته عليك وأيدك بجنود لم تروها ، فأرجع الضميرين إلى أبي بكر دون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ."

ولا ندري أي اللفظين هو الأصل وأيهما المحرف غير أنه يضاف على رواية"و أيدك بجنود لم تروها"إلى ما ذكر من الإشكال آنفا إشكالات أخرى تقدمت في البيان السابق مضافا إلى إشكال آخر جديد من جهة قوله:"لم تروها"بخطاب الجمع ولا مخاطب يومئذ جمعا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت