قوله تعالى:"و يحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم"إلى آخر الآيتين ، الفرق انزعاج النفس من ضرر متوقع ، والملجأ الموضع الذي يلتجأ إليه ويتحصن فيه ، والمغار المحل الذي يغور فيه الإنسان فيستره عن الأنظار ، ويطلق على الغار وهو الثقب الذي يكون في الجبال ، والمدخل من الافتعال الطريق الذي يتدسس بالدخول فيه ، والجماح مضي المار مسرعا على وجهه لا يصرفه عنه شيء ، والمعنى ظاهر.
قوله تعالى:"و منهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون"اللمز العيب ، وإنما كانوا يعيبونه فيها إذا لم يعطهم منها لعدم استحقاقهم ذلك أو لأسباب أخر كما يدل عليه ذيل الآية.
قوله تعالى:"و لو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله"إلى آخر الآية ،"لو"للتمني وقوله:"رضوا ما آتاهم الله"كأن الرضى ضمن معنى الأخذ ولذا عدي بنفسه أي أخذوا ذلك راضين به أو رضوا آخذين ذلك ، والإيتاء الإعطاء ، وحسبنا الله أي كفانا فيما نرغب إليه ونأمله.
وقوله:"سيؤتينا الله من فضله ورسوله"بيان لما يرغب إليه ويطمع فيه وليس إخبارا عما سيكون ، وقوله:"إنا إلى الله راغبون"كالتعليل لقوله:"سيؤتينا الله"إلى آخر الآية.
والمعنى وكان مما يتمنى لهم أن يكونوا أخذوا ما أعطاهم الله ورسوله بأمر منه من مال الصدقات أو غيره ، وقالوا كفانا الله سبحانه من سائر الأسباب ونحن راغبون في فضله ونطمع أن يؤتينا من فضله ويؤتينا رسوله.
وفي الآية ما لا يخفى من لطيف البيان حيث نسب الإيتاء إلى الله وإلى رسوله وخص الكفاية والفضل والرغبة بالله على ما هو لازم دين التوحيد.
قوله تعالى:"إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل"الآية ، بيان لموارد تصرف إليها الصدقات الواجبة وهي الزكوات بدليل قوله في آخر الآية:"فريضة من الله"وهي ثمانية.
وارد على ظاهر ما يعطيه سياق الآية ولازمه أن يكون الفقير والمسكين موردين أحدهما غير الآخر.
وقد اختلفوا في الفقير والمسكين أنهما صنف واحد أو صنفان ، ثم على الثاني في معناهما على أقوال كثيرة لا ينتهي أكثرها إلى حجة بينة ، والذي يعطيه ظاهر لفظهما أن الفقير هو الذي اتصف بالعدم وفقدان ما يرفع حوائجه الحيوية من المال قبال الغني الذي اتصف بالغنى وهو الجدة واليسار.
وأما المسكين فهو الذي حلت به المسكنة والذلة مضافة إلى فقدان المال وذلك إنما يكون بأن يصل فقره إلى حد يستذله بذلك كمن لا يجد بدا من أن يبذل ماء وجهه ويسأل كل كريم ولئيم من شدة الفقر وكالأعمى والأعرج فالمسكين أسوأ حالا من الفقير.
والفقير والمسكين وإن كانا بحسب النسبة أعم وأخص فكل مسكين من جهة الحاجة المالية فقير ولا عكس غير أن العرف يراهما صنفين متقابلين لمكان مغايرة الوصفين في نفسهما فلا يرد أن ذكر الفقير على هذا المعنى مغن عن ذكر المسكين لمكان أعميته وذلك أن المسكنة هي وصف الذلة كالزمانة والعرج والعمى وإن كان بعض مصاديقه نهاية الذلة من جهة فقد المال.
وأما العاملون عليها أي على الصدقات فهم الساعون لجمع الزكوات وجباتها.
وأما المؤلفة قلوبهم فهم الذين يؤلف قلوبهم بإعطاء سهم من الزكاة ليسلموا أو يدفع بهم العدو أو يستعان بهم على حوائج الدين.
وأما قوله:"و في الرقاب"فهو متعلق بمقدر والتقدير: والمصرف في الرقاب أي في فكها كما في المكاتب الذي لا يقدر على تأدية ما شرطه لمولاه على نفسه لعتقه أو الرق الذي كان في شدة.
وقوله:"و الغارمين"أي وللصرف في الغارمين الذين ركبتهم الديون فيقضى ديونهم بسهم من الزكاة.
وقوله:"و في سبيل الله"أي وللصرف في سبيل الله ، وهو كل عمل عام يعود عائدته إلى الإسلام والمسلمين وتحفظ به مصلحة الدين ومن أظهر مصاديقه الجهاد في سبيل الله ، ويلحق به سائر الأعمال التي تعم نفعه وتشمل فائدته كإصلاح الطرق وبناء القناطر ونظائر ذلك.
وقوله:"و ابن السبيل"أي وللصرف في ابن السبيل وهو المنقطع عن وطنه الفاقد لما يعيش به وإن كان غنيا ذا يسار في بلده فيرفع حاجته بسهم من الزكاة.