و قد اختلف سياق العد فيما ذكر في الآية من الأصناف الثمانية فذكرت الأربعة الأول باللام:"للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم"ثم غير السياق في الأربعة الباقية فقيل:"و في الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل"فإن ظاهر السياق الخاص بهذه الأربعة أن التقدير: وفي الرقاب وفي الغارمين وفي سبيل الله وفي ابن السبيل.
أما الأربعة الأول:"للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم"فاللام فيها للملك بمعنى الاختصاص في التصرف فإن الآية بحسب السياق كالجواب عن المنافقين الذين كانوا يطمعون في الصدقات وهم غير مستحقين لها وكانوا يلمزون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حرمانهم منها فأجيبوا بالآية أن للصدقات مواضع خاصة تصرف فيها ولا تتعداها ، والآية ليست بظاهرة في أزيد من هذا المقدار من الاختصاص.
وأما كون ملكهم للصدقات هو الملك بمعناه المعروف فقها؟ وكذا حقيقة هذا الملك مع كون المالكين أصنافا بعناوينهم الصنفية لا ذوات شخصية؟ ونسبة سهم كل صنف إلى بقية السهام؟ فإنما هي مسائل فقهية خارجة عن غرضنا ، وقد اختلفت أقوال الفقهاء فيها اختلافا شديدا فليرجع إلى الفقه.
وأما الأربعة الباقية:"و في الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل"فقد قيل في تغيير السياق فيها وفي تأخيرها عن الأربعة الأول وجوه: منها: أن الترتيب لبيان الأحق فالأحق من الأصناف ، فأحق الأصناف بها الفقراء ثم المساكين وهكذا على الترتيب ، ولكون الأربعة الأخيرة بحسب ترتيب الأحقية واقعة في المراتب الأربع الأخيرة وضع كل في موضعه الخاص ، ولو لا هذا الترتيب لكان الأنسب أن يذكر الأصناف ثم تذكر موارد المصالح فيقال: للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمين وابن السبيل ثم يقال: وفي الرقاب وسبيل الله.
والحق أن دلالة الترتيب بما فيه من التقديم والتأخير على أهمية الملاك وقوة المصلحة في أجزاء الترتيب لا ريب فيه فإن كان مراده بالأحق فالأحق الأهم ملاكا فالأهم فهو ، ولو كان المراد التقدم والتأخر من حيث الإعطاء والصرف وما يشبه ذلك فلا دلالة من جهة اللفظ عليه البتة كما لا يخفى والذي أيده به من الوجه لا جدوى فيه.
ومنها: أن العدول عن اللام في الأربعة الأخيرة إلى"في"للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره لأن"في"للوعاء فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات ويجعلوا مظنة لها ومصبا ، وذلك لما في فك الرقاب من الكتابة أو الرق والأسر ، وفي فك الغارمين من الغرم والتخليص والإنقاذ ، ولجمع الغازي الفقير أو المنقطع في الحج بين الفقر والعبادة ، وكذلك ابن السبيل جامع بين الفقر والغربة عن الأهل والمال.
وتكرير"في"في قوله:"و في سبيل الله وابن السبيل"فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين.
كذا ذكره في الكشاف.
وفيه: أنه معارض بكون الأربعة الأول مدخولة للام الملك فإن المملوك أشد لزوما واتصالا بالنسبة إلى مالكه من المظروف بالنسبة إلى ظرفه ، وهو ظاهر.
ومنها: أن الأصناف الأربعة الأوائل ملاك لما عساه يدفع إليهم ، وإنما يأخذونه ملكا فكان دخول اللام لائقا بهم ، وأما الأربعة الأواخر فلا يملكون ما يصرف نحوهم بل ولا يصرف إليهم ولكن في مصالح تتعلق بهم.
فالمال الذي يصرف في الرقاب إنما يتناوله السادة المكاتبون والبائعون فليس نصيبهم مصروفا إلى أيديهم حتى يعبر عن ذلك باللام المشعرة بتملكهم لما يصرف نحوهم ، وإنما هم محال لهذا الصرف والمصلحة المتعلقة به ، وكذلك الغارمون إنما يصرف نصيبهم لأرباب ديونهم تخليصا لذممهم لا لهم ، وأما سبيل الله فواضح ذلك فيه ، وأما ابن السبيل فكأنه كان مندرجا في سبيل الله ، وإنما أفرد بالذكر تنبيها على خصوصيته مع أنه مجرد من الحرفين جميعا وعطفه على المجرور باللام ممكن ولكنه على القريب منه أقرب.
وهذا الوجه لا يخلو عن وجه غير أن إجراءه في ابن السبيل لا يخلو عن تكلف ، وما ذكر من دخوله في سبيل الله هو وجه مشترك بينه وبين غيره.