و لو قال قائل بكون الغارمين وابن السبيل معطوفين على المجرور باللام ثم ذكر الوجه الأول بالمعنى الذي ذكرناه وجها للترتيب والوجه الأخير وجها لاختصاص الرقاب وسبيل الله بدخول"في"لم يكن بعيدا عن الصواب.
وقوله في ذيل الآية:"فريضة من الله والله عليم حكيم"إشارة إلى كون الزكاة فريضة واجبة مشرعة على العلم والحكمة لا تقبل تغيير المغير ، ولا يبعد أن يتعلق الفرض بتقسمها إلى الأصناف الثمانية كما ربما يؤيده السياق فإن الغرض في الآية إنما تعلق ببيان مصارف الصدقات لا بفرض أصلها فالأنسب أن يكون قوله:"فريضة من الله"إشارة إلى أن تقسمها إلى الأصناف الثمانية أمر مفروض من الله لا يتعدى عنه على خلاف ما كان يطمع فيه المنافقون في لمزهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ومن هنا يظهر أن الآية لا تخلو عن إشعار بكون الأصناف الثمانية على سهمها من غير اختصاص بزمان دون زمان خلافا لما ذكره بعضهم: أن المؤلفة قلوبهم كانوا جماعة من الأشراف في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ألف قلوبهم بإعطاء سهم من الصدقات إياهم ، وأما بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد ظهر الإسلام على غيره ، وارتفعت الحاجة إلى هذا النوع من التأليفات ، وهو وجه فاسد وارتفاع الحاجة ممنوع.
قوله تعالى:"و منهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم"الأذن جارحة السمع المعروفة ، وقد أطلقوا عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) الأذن وسموه بها إشارة إلى أنه يصغي لكل ما قيل له ويستمع إلى كل ما يذكر له فهو أذن.
وقوله:"قل أذن خير لكم"من الإضافة الحقيقية أي سماع يسمع ما فيه خيركم حيث يسمع من الله سبحانه الوحي وفيه خير لكم ، ويسمع من المؤمنين النصيحة وفيها خير لكم ويمكن أن يكون من إضافة الموصوف إلى الصفة أي أذن هي خير لكم لأنه لا يسمع إلا ما ينفعكم ولا يضركم.
والفرق بين الوجهين أن اللازم على الأول أن يكون مسموعه خيرا لهم كالوحي من الله والنصيحة من المؤمنين ، واللازم على الثاني أن يكون استماعه استماع خير وإن لم يكن مسموعه خيرا كأن يستمع إلى بعض ما ليس خيرا لهم لكنه يستمع إليه فيحترم بذلك قائله ثم يحمل ذلك القول منه على الصحة فلا يهتك حرمته ولا يسيء الظن به ثم لا يرتب أثر الخبر الصادق المطابق للواقع عليه فلا يؤاخذ من قيل فيه بما قيل فيه فيكون قد احترم إيمانه كما احترم إيمان القائل الذي جاءه بالخبر.
ومن هنا يظهر أن الأنسب بسياق الآية هو الوجه الثاني لما عقبه بقوله:"يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين"الآية.
وذلك أن الإيمان هو التصديق ، وقد ذكر متعلق الإيمان في قوله:"يؤمن بالله"وأما قوله:"و يؤمن للمؤمنين"فلم يذكر متعلقه وإنما ذكر أن هذا التصديق لنفع المؤمنين لمكان اللام ، والتصديق الذي يكون فيه نفع المؤمنين حتى في الخبر الذي يتضمن ما يضرهم إنما هو التصديق بمعنى إعطاء الصدق المخبري دون الخبري أي فرض أن المخبر صادق بمعنى أنه معتقد بصدق خبره وإن كان كاذبا لا يطابق الواقع.
وهذا كما في قوله تعالى:"إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون:"المنافقون: - 1 فالله سبحانه يكذب المنافقين لا من حيث خبرهم برسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بل من حيث إخبارهم بخلاف ما يعتقدونه وهذا بخلاف قول المؤمنين فيما حكى الله سبحانه:"و لما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله:"الأحزاب: - 22 فهم يصدقون الله ورسوله في الخبر لا في الاعتقاد.
وبالجملة ظاهر قوله:"يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين"إنه يصدق الله فيما أخبره به من الوحي ، ويصدق لنفع المؤمنين كل من ألقى إليه منهم خبرا بحمل فعله على الصحة وعدم رميه بالكذب وسوء النية من غير أن يرتب أثرا على كل ما يسمعه ويستمع إليه وإلا لم يكن تصديقه لنفع المؤمنين واختل الأمر ، وهذا المعنى كما ترى يؤيد الوجه الثاني المذكور.