فهرس الكتاب

الصفحة 1944 من 4314

و كأن المراد بالمؤمنين المجتمع المنسوب إليهم وإن اشتمل على أفراد من غيرهم كالمنافقين وعلى هذا كان المراد بالذين آمنوا منهم المؤمنون من قومهم حقا فمعنى الكلام أنه يصدق ربه ويصدق كل فرد من أفراد مجتمعكم احتراما لظاهر حاله من الانتساب إلى المؤمنين وهو رحمة للذين آمنوا منكم حقا لأنه يهديهم إلى مستقيم الصراط.

وإن كان المراد من الذين آمنوا هم الذين آمنوا في أول البعثة قبل الفتح - كما تقدم سابقا أن"الذين آمنوا"اسم تشريفي في القرآن للمؤمنين الأولين في الإسلام - كان المراد بالمؤمنين في قوله:"و يؤمن للمؤمنين"المؤمنون منهم حقا كما أطلق بهذا المعنى في قوله:"و لما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله:"الأحزاب: - 22.

وربما قيل: إن اللام في قوله:"و يؤمن للمؤمنين"للتعدية كما في قوله:"يؤمن بالله"فالإيمان يتعدى بالحرفين جميعا كما في قوله:"فآمن له لوط:"العنكبوت: - 26 وقوله:"فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه:"يونس: - 83 وقوله:"أ نؤمن لك واتبعك الأرذلون": الشعراء: - 111.

وربما قيل: إن اللفظ جار على طريقة التضمين بتضمين الإيمان معنى الجنوح المتعدي باللام والمعنى يجنح للمؤمنين مؤمنا بهم أو يؤمن جانحا لهم والوجهان وإن كانا لا بأس بهما في نفسهما لكن يبعد ذلك لزوم التفكيك في قوله:"يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين"بين"يؤمن"الأول والثاني من غير نكتة ظاهرة إلا أن يحمل على التفنن في التعبير ومع ذلك فالنتيجة هي النتيجة السابقة فإن إيمانه بالمؤمنين لا يختص بالمخبرين خاصة حتى يصدق خبرهم ويؤاخذ آخرين إذا أخبر بما يضرهم بل إيمان يعم جميع المؤمنين فيصدق المخبر في خبره بمعنى إعطاء الصدق المخبري ويصدق المخبر عنه بحمل فعله على الصحة فافهم ذلك.

وعده تعالى نبيه في قوله:"و رحمة للذين آمنوا منكم"رحمة لقوم خاص في هذه الآية مع عده رحمة للناس كلهم في قوله عز وجل:"و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين:"الأنبياء: - 107 إنما هو لاختلاف المراد بالرحمة في الآيتين فالمراد بها هاهنا الرحمة الفعلية وهناك الرحمة الشأنية.

وبعبارة أخرى هو (صلى الله عليه وآله وسلم) رحمة لمن آمن به حقا بمعنى أن الله سبحانه أنقذه به من الضلالة وختم له بالسعادة والكرامة ، ورحمة للناس كلهم مؤمنهم وكافرهم ، من معاصريه وممن يأتي بعده بمعنى أن الله بعثه (صلى الله عليه وآله وسلم) بملة بيضاء وسنة طيبة فحول المجتمع البشري وصرفه عن مسيره المنحرف عن الاستقامة إلى طريق الشقاوة والهلاك ، وأنار بمشعلته صراط الفطرة الإلهية فمن راكب على السبيل فائز بالغاية المطلوبة ، ومن خارج عن مسير الردى والهلكة ولما يركب متن الصراط الفطري ، ومن قاصد للخروج والورود ولما يخرج وهذا حال المجتمع العام البشري بعد طلوع الإسلام وبسطة معارفه بين الناس وإيصاله إلى سمع كل سامع وتأثيره في كل من السنن الاجتماعية بما في وسعه أن يتأثر به ، وهذا مما لا يرتاب فيه باحث عن طبيعة المجتمع الإنساني ، وهذا الوجه قريب المأخذ من الوجه السابق أو راجع إليه بالحقيقة.

قوله تعالى:"يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين"قال في المجمع: ،"الفرق بين الأحق والأصلح أن الأحق قد يكون من غير صفات الفعل كقولك: زيد أحق بالمال ، والأصلح لا يقع هذا الموقع لأنه من صفات الفعل وتقول: الله أحق بأن يطاع ولا تقول أصلح".

انتهى.

والسبب الأصلي فيه أن الصلاحية والصلوح يحمل معنى الاستعداد والتهيؤ ، والحق يحمل معنى الثبوت واللزوم ، والله سبحانه لا يتصف بشيء من معنى الاستعداد والقبول المستلزم لتأثير الغير فيه وتأثره عنه.

وقد حول الله الخطاب في الآية عن نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المؤمنين التفاتا وكأن الوجه فيه التلويح لهم بما يشتمل عليه قوله:"و الله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين"من الحكم وهو أن من الواجب على كل مؤمن أن يرضي الله ورسوله ، ولا يحاد الله ورسوله فإن فيه خزيا عظيما نار جهنم خالدا فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت