فهرس الكتاب

الصفحة 1950 من 4314

و أنه ظهر مما هموا به بعض ما يستدل عليه من الآثار والقرائن فسألوا عن ذلك فاعتذروا بما هو مثله قبحا وشناعة كما في قوله:"و لئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب"والآيات التالية لهذه الآيات في سياق متصل منسجم تدل على أن هذه الوقعة أيا ما كانت وقعت بعد خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى غزوة تبوك ولما يرجع إلى المدينة كما يدل عليه قوله:"فإن رجعك الله إلى طائفة منهم"الآية: آية: - 83 من السورة: وقوله:"سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم"آية: - 95 من السورة.

فيتلخص من الآيات أن جماعة ممن خرج مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تواطئوا على أن يمكروا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأسروا عند ذلك فيما بينهم بكلمات كفروا بها بعد إسلامهم ثم هموا أن يفعلوا ما اتفقوا عليه بفتك أو نحوه فأبطل الله كيدهم وفضحهم وكشف عنهم فلما سئلوا عن ذلك قالوا: إنما كنا نخوض ونلعب فعاتبهم الله بلسان رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه استهزاء بالله وآياته ورسوله ، وهددهم بالعذاب إن لم يتوبوا ، وأمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجاهدهم ويجاهد الكافرين.

فالآيات - كما ترى - أوضح انطباقا على حديث العقبة منها على غيره من القصص التي تتضمنها الروايات الآخر الواردة في بيان سبب نزول الآيات ، وسنورد جلها في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى:"يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم"إلى آخر الآية.

كان المنافقون يشاهدون أن جل ما يستسرون به من شئون النفاق ويناجي به بعضهم بعضا من كلمة الكفر ووجوه الهمز واللمز والاستهزاء أو جميع ذلك لا يخفى على الرسول ، ويتلى على الناس في آيات من القرآن يذكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه من وحي الله ، ولا محالة كانوا لا يؤمنون بأنه وحي نزل به الروح الأمين على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويقدرون أن ذلك مما يتجسسه المؤمنون فيخبرون به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيخرجه لهم في صورة كتاب سماوي نازل عليهم وهم مع ذلك كانوا يخافون ظهور نفاقهم وخروج ما خبوه في سرائرهم الخبيثة لأن السلطنة والظهور كانت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم يجري فيهم ما يأمر به ويحكم عليه.

فهم كانوا يحذرون نزول سورة يظهر بها ما أضمروه من الكفر وهموا به من تقليب الأمور على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقصده بما يبطل به نجاح دعوته وتمام كلمته فأمر الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبلغهم أن الله عالم بما في صدورهم مخرج ما يحذرون خروجه وظهوره بنزول سورة من عنده أي يخبرهم بأن الله منزل سورة هذا نعتها.

وبهذا يستنير معنى الآية فقوله:"يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة"الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ووجه الكلام إليه ، وهو يعلم بتعليم الله أن هذا الكلام الذي يتلوه على الناس كلام إلهي وقرآن منزل من عنده فيصف سبحانه الكلام الذي يخاف منه المنافقون بما له من الوصف عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو أنه سورة منزلة من الله على الناس ومنهم المنافقون لا على ما يراه المنافقون أنه كلام بشري يدعى كونه كلام الله.

فهم كانوا يحذرون أن يتلو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم وعلى الناس كلاما هذا نعته الواقعي وهو أنه سورة منزلة عليهم بما أنها متوجهة بمضمونها إليهم قاصدة نحوهم ينبئهم هذه السورة النازلة بما في قلوبهم فيظهر على الناس ويفشو بينهم ما كانوا يسرونه من كفرهم وسوء نياتهم ، وهذا الظهور في الحقيقة هو الذي كانوا يحذرونه من نزول السورة.

وقوله:"قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون"كأن المراد بالاستهزاء هو نفاقهم وما يلحق به من الآثار فإن الله سمى نفاقهم استهزاء حاكيا في ذلك قولهم حيث قال:"و إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون:"البقرة: - 14 فالمراد بالاستهزاء هو ستر ما يحذرون ظهوره ، والأمر تعجيزي أي دوموا على نفاقكم وستركم ما تحذرون خروجه من عندكم إلى مرأى الناس ومسمعهم فإن الله مخرج ذلك وكاشف عن وجهه الغطاء ، ومظهر ما أخفيتموه في صدوركم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت