فصدر الآية وإن كان يذكر أنهم يحذرون تنزيل سورة كذا وكذا لكنهم إنما كانوا يحذرونها لما فيها من الأنباء التي يحذرون أن يطلع عليها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتنجلي للناس ، وهذا هو الذي يذكر ذيلها أنهم يحذرونه فالكلام بمنزلة أن يقال: يحذر المنافقون تنزيل سورة قل إن الله منزلها ، أو يقال: يحذر المنافقون انكشاف باطن أمرهم وما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله سيكشف ذلك وينبىء عما في قلوبكم.
وبما تقدم يظهر سقوط ما أشكل على الآية أولا: بأن المنافقين لكفرهم في الحقيقة لم يكونوا يرون أن القرآن كلام منزل من عند الله فكيف يصح القول أ يحذرون أن تنزل عليهم سورة؟.
وثانيا: أنهم لما لم يكونوا مؤمنين في الواقع فكيف يصح أن يطلق أن سورة قرآنية نزلت عليهم ولا تنزل السورة إلا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو على المؤمنين؟.
وثالثا: أن حذرهم نزول السورة وهو حال داخلي جدي فيهم لا يجامع كونه استهزاء.
ورابعا: أن صدر الآية يذكر أنهم يحذرون أن تنزل سورة وذيلها يقول: إن الله مخرج ما تحذرون فهو في معنى أن يقال: إن الله مخرج سورة أو مخرج تنزيل سورة.
وقد يجاب عن الإشكال الأول بأن قوله: يحذر المنافقون"إلخ"إنشاء في صورة خبر أي ليحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة"إلخ".
وهو ضعيف إذ لا دليل عليه أصلا على أن ذيل الآية لا يلائم ذلك إذ لا معنى لقولنا: ليحذر المنافقون كذا قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون أي ما يجب عليكم حذره.
وهو ظاهر.
وقد يجاب عنه بأنهم إنما كانوا يظهرون الحذر استهزاء لا جدا وحقيقة.
وفيه أن لازمه أنهم كانوا على ثقة بأن ما في قلوبهم من الأنباء وما أبطنوه من الكفر والفسوق لا سبيل للظهور والانجلاء إليه ، ولا طريق لأحد إلى الاطلاع عليه ، ويكذبه آيات كثيرة في القرآن الكريم تقص ما عقدوا عليه القلوب من الكفر والفسوق وهموا به من الخدعة والمكيدة كالآيات من سورة البقرة وسورة المنافقين وغيرهما ، وإذ كانوا شاهدوا ظهور أنبائهم ومطويات قلوبهم عيانا مرة بعد مرة فلا معنى لثقتهم بأنها لا تنكشف أصلا وإظهارهم الحذر استهزاء لا جدا ، وقد قال تعالى:"يحسبون كل صيحة عليهم:"المنافقون: - 4.
وقد يجاب عنه بأن أكثر المنافقين كانوا على شك من صدق الدعوة النبوية من غير أن يستيقنوا كذبه ، وهؤلاء كانوا يجوزون تنزيل سورة تنبئهم بما في قلوبهم احتمالا عقليا ، وهذا الحذر والإشفاق كما ذكروه أثر طبيعي للشك والارتياب فلو كانوا موقنين بكذب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لما خطر لهم هذا الخوف على بال ، ولو كانوا موقنين بصدقه لما كان هناك محل لهذا الخوف والحذر لأن قلوبهم مطمئنة بالإيمان.
وهذا الجواب - وهو الذي اعتمد عليه جمهور المفسرين - وإن كان بظاهره لا يخلو عن وجه غير أن فيه أنه إنما يحسم مادة الإشكال لو كان الواقع من التعبير في الآية نحوا من قولنا: يخاف المنافقون أن تنزل عليهم سورة ، ولذا قرروا الجواب بأن الخوف يناسب الشك دون اليقين.
لكن الآية تعبر عن شأنهم بالحذر ، ويخبر أنهم يحذرون أن تنزل عليهم سورة"إلخ"والحذر فيه شيء من معنى الاحتراز والاتقاء ، ولا يتم ذلك إلا بالتوسل إلى أسباب ووسائل تحفظ الحاذر مما يحذره ويحترز منه ، وتصونه من شر مقبل إليه من ناحية ما يخافه.
ولو كان مجرد شك من غير مشاهدة أثر من الآثار وإصابة شيء مما يتقونه إياهم لما صح الاحتراز والاتقاء ، فحذرهم يشهد أنهم كانوا يخافون أن يقع بهم هذه المرة نظير ما وقع بهم قبل ذلك من جهة آيات البقرة وغيرها ، فهذا هو الوجه لحذرهم دون الشك والارتياب فالمعتمد في الجواب ما قدمناه.
وقد يجاب عن الإشكال الثاني بأن"على"في قوله:"أن تنزل عليهم"بمعنى: في كما في قوله:"و اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان:"البقرة: - 102 ، والمعنى: يحذر المنافقون أن تنزل فيهم أي في شأنهم وبيان حالهم سورة تكشف عما في ضمائرهم.
وفيه أنه لا بأس به لو لا قوله بعده:"تنبئهم بما في قلوبهم"على ما سنوضحه.
وقد يجاب عنه بأن الضمير في قوله:"عليهم"راجع إلى المؤمنين دون المنافقين والمعنى: يحذر المنافقون أن تنزل على المؤمنين سورة تنبىء المنافقين بما في قلوب المنافقين أو تنبىء المؤمنين بما في قلوب المنافقين.