فهرس الكتاب

الصفحة 1953 من 4314

و الجواب عن الإشكال الرابع أن الشيء الذي كانوا يحذرونه في الحقيقة هو ظهور نفاقهم وانكشاف ما في قلوبهم ، وإنما كانوا يحذرون نزول السورة لأجل ذلك فالمحذور الذي ذكر في صدر الآية والذي في ذيل الآية أمر واحد ، ومعنى قوله"إن الله مخرج ما تحذرون"إنه مظهر لما أخفيتموه من النفاق ومنبىء لما في قلوبكم.

قوله تعالى:"و لئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أ بالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون"الخوض - على ما في المجمع ، - دخول القدم فيما كان مائعا من الماء والطين ثم كثر حتى استعمل في غيره.

وقال الراغب في المفردات: ، الخوض هو الشروع في الماء والمرور فيه ، ويستعار في الأمور ، وأكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يذم الشروع فيه.

انتهى.

ولم يذكر الله سبحانه متعلق السؤال وأن المسئول عنه الذي إن سأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سأل عنه ما هو؟ غير أن قوله:"ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب"بما له من السياق المصدر بإنما يدل على أنه كان فعلا صادرا منهم له نوع تعلق بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكان أمرا مرئيا يسيء الظن بهم ، ولم يكن في وسعهم أن يعتذروا منه بعد ما تبين وانكشف للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا بأنه إنما كان منهم خوضا ولعبا لم يريدوا به غير ذلك.

والخوض واللعب الذين اعتذروا بهما من الأعمال السيئة التي لا يعترف بهما الناس في حالهم العادي وخاصة المؤمنون وسائر المتظاهرين بالإيمان وخاصة إذا كان ذلك في أمر يرجع إلى الله ورسوله غير أنهم لم يجدوا وصفا يصفون به فعلهم لإخراجه عن ظاهر ما يدل عليه ، دون أن يعنونوه بأنه كان خوضا ولعبا.

ولذا أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يوبخهم على ما اعتذروا به فقال:"قل أ بالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون"ثم فسر عملهم في آخر الآيات بقوله:"يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا"الآية.

ويتحصل من مجموع هذه القرائن أن المنافقين كانوا أرادوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بسوء كالفتك به ومفاجأته بما يهلكه وأقدموا على ما قصدوه وتكلموا عند ذلك بشيء من الكلام الردي لكنهم أخطئوا في ما أوقعوه عليه واندفع الشر عنه ، ولم يصب السهم هدفه فلما خاب سعيهم وبان أمرهم سألهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك وما تصدوه به اعتذروا بأنهم كانوا يخوضون ويلعبون فوبخهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله:"أ بالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون"ورد الله سبحانه إليهم عذرهم الذي اعتذروا به وبين حقيقة ما قصدوا بذلك.

وبالجملة معنى الآية: وأقسم لئن سألتهم عن فعلهم الذي شوهد منهم: ما الذي أرادوا به؟ وكان ظاهره أنهم هموا بأمر فيك ليقولن: لم يكن قصد سوء ولا بالذي ظننت فأسأت الظن بنا ، وإنما كنا نخوض ونلعب خوض الركب في الطريق لا على سبيل الجد ولكن لعبا.

وهذا اعتذار منهم بالاستهزاء بالله وآياته ورسوله فإنهم يعترفون بأنهم فعلوا فيك ما فعلوه خوضا ولعبا فقد استهزءوا بالله ورسوله فقل: أ بالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون أي أ تعتذرون عن سيىء فعلكم بسيئة أخرى هي الاستهزاء بالله وآياته ورسوله ، وهو كفر؟.

وليس من البعيد أن يكون الغرض الأصيل بيان كونه استهزاء بالرسول ، وإنما ذكر الله وآياته للدلالة على معنى الاستهزاء بالرسول ، وأنه لما كان من آيات الله كان الاستهزاء به استهزاء بآيات الله ، والاستهزاء بآيات الله استهزاء بالله العظيم فالاستهزاء برسول الله استهزاء بالله وآياته ورسوله.

قوله تعالى:"لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم أن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة"الآية ، قال الراغب في المفردات ،: الطوف المشي حول الشيء ومنه الطائف لمن يدور حول البيوت حافظا - إلى أن قال - والطائفة من الناس جماعة منهم ومن الشيء القطعة منه.

وقوله تعالى:"فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين"قال بعضهم: قد يقع ذلك على الواحد فصاعدا ، وعلى ذلك قوله:"و إن طائفتان من المؤمنين."

إذ همت طائفتان منكم"."

والطائفة إذا أريد بها الجمع فجمع طائف ،"و إذا أريد بها الواحد فيصح أن يكون جمعا ويكنى به عن الواحد ، ويصح أن يجعل كراوية وعلامة ونحو ذلك."

انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت