و قد خطأ بعضهم القول بجواز صدق الطائفة على الواحد والاثنين من الناس كما تصدق على الثلاثة فصاعدا ، وبالغ في ذلك حتى عده غلطا ولا دليل له على ما ذكره ، ومادة اللفظ لا يستوجب شيئا معينا من العدد ، وإطلاقها على القطعة من الشيء يؤيد استعمالها في الواحد.
وقوله:"لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم"نهي عن الاعتذار بدعوى أنه لغو كما يدل عليه قوله:"قد كفرتم بعد إيمانكم"فإن الاعتذار لا فائدة تترتب عليه بعد الحكم بكفرهم بعد إيمانهم.
والمراد بإيمانهم هو ظاهر الإيمان الذي كانوا يتظاهرون به لا حقيقة الإيمان الذي هو من الهداية الإلهية التي لا يعقبها ضلال ، ويؤيده قوله تعالى في آخر هذه الآيات:"و لقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم"فبدل الإيمان إسلاما وهو ظاهر الشهادتين.
ويمكن أن يقال: إن من مراتب الإيمان ما هو اعتقاد وإذعان ضعيف غير آب عن الزوال كإيمان الذين في قلوبهم مرض وقد عدهم الله من المؤمنين وذكرهم مع المنافقين لأمنهم ، ولا مانع من أن ينسلخوا هذا الإيمان.
وكيف لا؟ وقد سلخ الله الإيمان ممن هو أرسخ إيمانا منهم كالذي يقصه في قوله:"و اتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه:"الأعراف: - 176.
وقال أيضا:"إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا:"النساء: - 137 وقد أكثر القرآن الكريم من ذكر الكفر بعد الإيمان فلا مانع من زوال الاعتقاد القلبي قبل رسوخه وهو اعتقاد.
نعم الإيمان المستقر والاعتقاد الراسخ لا سبيل إلى عروض الزوال له قال تعالى:"من يهد الله فهو المهتدي:"الأعراف: - 178 وقال:"فإن الله لا يهدي من يضل:"النحل: - 37.
وقوله:"إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة"يدل على أن هؤلاء المنافقين المذكورين في الآيات كانوا ذوي عدد وكثرة ، وأن كلمة العذاب وقعت عليهم لا بد لهم من العذاب فلو شمل بعضهم عفو إلهي لمصلحة في ذلك وقع العذاب على الباقين فهذا معنى الجملة:"إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة"بحسب ما يفهم من نظمه وسياقه.
وبعبارة أخرى رابطة اللزوم بين الشرط والجزاء بترتب الجزاء وتفرعه على الشرط إنما هي بالتبع وأصله ترتب الجزاء هاهنا على أمر يتعلق به الشرط وهو أن العذاب وجب على جماعتهم فإن عفي عن بعضهم تعين الباقون من غير تخلف.
وقد ظهر بما قدمناه أولا: وجه ترتب قوله:"نعذب طائفة"على قوله:"إن نعف عن طائفة"واندفع ما استشكله بعضهم على الآية أنه لا ملازمة بين العفو عن البعض وعذاب البعض فما معنى الاشتراط؟.
والجواب: أن اللزوم بحسب الأصل بين وجوب نزول العذاب على الجماعة وبين نزوله على بعضهم ثم انتقل إلى ما بين العفو عن البعض وبين نزوله على بعضهم كما قررناه.
وثانيا: أن المراد بالعفو هو ترك العذاب لمصلحة من مصالح الدين دون العفو بمعنى المغفرة المستندة إلى التوبة إذ لا وجه ظاهرا لمثل قولنا: إن غفرنا لطائفة منكم لتوبتهم نعذب طائفة لجرمهم مع أنهم لو تابوا جميعا لم يعذبوا قطعا.
وقد ندب الله إليهم جميعا أن يتوبوا حيث قال في آخر الآيات:"فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة".
وثالثا: أن العفو في الآية بل والعذاب المذكور فيها هو العفو عن العذاب الدنيوي وتركها وكذا القول في العذاب فإن العفو من العذاب الأخروي على ما تنص عليه الآيات القرآنية إنما يكون لتوبة أو شفاعة ، ولا تحقق لواحد منهما فيما نحن فيه أما التوبة فلما تبين أنها غير مرادة في الآية ، وأما الشفاعة فلما ثبت بآيات الشفاعة أن الشفاعة لا ينالها في الآخرة إلا مؤمن مرضي الإيمان ، وقد استوفينا البحث عنها في الجزء الأول من الكتاب.
ورابعا: أنه لا مانع من كون الآية أعني قوله:"لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم أن نعف عن طائفة"الآية من تتمة كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن المراد بالعفو والعذاب هو العذاب الدنيوي بالسياسة وتركه ، ولا مانع من نسبتهما إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .