فهرس الكتاب

الصفحة 1955 من 4314

لكن ظاهر الآيات التالية هو كونه من قول الله سبحانه خطابا للمنافقين فيكون التفاتا من خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى خطابهم والنكتة فيه إظهار كمال الغضب واشتداد السخط من صنعهم حتى كأنه لا يفي بإيذانه وإعلامه الرسالة فواجههم بنفسه وخاطبهم بشخصه فهددهم بعذاب واقع لا مرد له ولا مفر منه.

قوله تعالى:"المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض"إلى آخر الآيتين ، ذكروا أنه استئناف يتعرض لحال عامة المنافقين بذكر أوصافهم العامة الجامعة وتعريفهم بها وما يجازيهم الله في عاقبة أمرهم ثم يتعرض لحال عامة المؤمنين ويعرفهم بصفاتهم الجامعة ويذكر ما ينبئهم الله به على سبيل المقابلة استتماما للقسمة ، ومن الدليل على هذا الاستيفاء ذكر جزاء الكفار مع المنافقين في قوله:"وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار"الآية.

والظاهر أن الآية في مقام التعليل لقوله في الآية السابقة:"إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة"وسياق مخاطبة المنافقين جار لم ينقطع بعد.

فالآية السابقة لما دلت على أنه تعالى لا يترك المنافقين حتى يعذبهم بأجرامهم فإن ترك بعضا منهم لحكمة ومصلحة أخذ آخرين منهم بالعذاب كان هناك مظنة أن يسأل فيقال: ما وجه أخذ البعض إذا ترك غيره؟ وهل هو إلا كأخذ الجار بجرم الجار فأجيب ببيان السبب وهو أن المنافقين جميعا بعضهم من بعض لاشتراكهم في خبائث الصفات والأعمال ، واشتراكهم في جزاء أعمالهم وعاقبة حالهم.

ولعله ذكر المنافقات مع المنافقين مع عدم سبق لذكرهن للدلالة على كمال الاتحاد والاتفاق بينهم في نفسيتهم ، وليكون تلويحا على أن من النساء أيضا أجزاء مؤثرة في هذا المجتمع النفاقي الفاسد المفسد.

فمعنى الآية لا ينبغي أن يستغرب أخذ بعض المنافقين إذا ترك البعض الآخر لأن المنافقين والمنافقات يحكم عليهم نوع من الوحدة النفسية يوحد كثرتهم فيرجع بعضهم إلى بعض ، فيشركهم في الأوصاف والأعمال وما يجازون به بوعد من الله تعالى.

فهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويمسكون عن الإنفاق في سبيل الله وبعبارة أخرى نسوا الله تعالى بالإعراض عن ذكره لأنهم فاسقون خارجون عن زي العبودية فنسيهم الله فلم يثبهم بما أثاب عباده الذاكرين مقام ربهم.

ثم ذكر ما وعدهم على ذلك فقال:"وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار - وعطف عليهم الكفار لأنهم جميعا سواء - نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم"من الجزاء لا يتعدى فيهم إلى غيرها"و لعنهم الله"وأبعدهم"و لهم عذاب مقيم"ثابت لا يزول عنهم البتة.

وقد ظهر بذلك أن قوله تعالى:"نسوا الله فنسيهم"إلخ؟ بيان لما تقدمه من قوله:"يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم".

ويتفرع على ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإنفاق في سبيل الله من الذكر.

قوله تعالى:"كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم"إلخ ، قال الراغب: الخلاق ما اكتسبه الإنسان من الفضيلة بخلقه قال تعالى:"و ما له في الآخرة من خلاق"انتهى وفسره غيره بمطلق النصيب.

والآية من تتمة مخاطبة المنافقين التي في قوله:"لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم"الآية في سياق واحد متصل وفي الآية تشبيه حال المنافقين بحال من كان قبلهم من الكفار والمنافقين وقياسهم إليهم ليستشهد بذلك على ما قيل: إن المنافقين والمنافقات بعضهم من بعض وأنهم جميعا والكفار ذوو طبيعة واحدة في الإعراض عن ذكر الله والإقبال على الاستمتاع بما أوتوا من أعراض الدنيا من أموال وأولاد والخوض في آيات الله ثم في حبط أعمالهم في الدنيا والآخرة والخسران.

ومعنى الآية - والله أعلم - أنتم كالذين من قبلكم كانت لهم قوة وأموال وأولاد بل أشد وأكثر في ذلك منكم ، فاستمتعوا بنصيبهم وقد تفرع على هذه المماثلة أنكم استمتعتم كما استمتعوا وخضتم كما خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون وأنتم أيضا أمثالهم في الحبط والخسران ولذا وعدكم النار الخالدة ولعنكم.

وذكر كون قوة من قبلهم أشد وأموالهم وأولادهم أكثر للإيماء إلى أنهم لم يعجزوا الله بذلك ، ولم يدفع ذلك عنهم غائلة الحبط والخسران فكيف بكم وأنتم أضعف قوة وأقل أموالا وأولادا؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت