قوله تعالى:"لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم"لما ذم المنافقين في الآيتين السابقتين بالرضا بالقعود مع الخوالف والطبع على قلوبهم استدرك بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والذين آمنوا معه - والمراد بهم المؤمنون حقا الذين خلصت قلوبهم من رين النفاق بدليل المقابلة مع المنافقين - ليمدحهم بالجهاد بأموالهم وأنفسهم أي إنهم لم يرضوا بالقعود ولم يطبع على قلوبهم بل نالوا سعادة الحياة والنور الإلهي الذي يهتدون به في مشيهم كما قال تعالى:"أ ومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس:"الأنعام: - 122.
ولذلك عقب الكلام بقوله:"و أولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون"فلهم جميع الخيرات - على ما يقتضيه الجمع المحلى باللام - من الحياة الطيبة ونور الهدى والشهادة وسائر ما يتقرب به إلى الله سبحانه ، وهم المفلحون الفائزون بالسعادة.
قوله تعالى:"أعد الله لهم جنات تجري"الآية الإعداد هو التهيئة وقد عبر بالإعداد دون الوعد لأن الأمور بخواتيمها وعواقبها فلو كان وعدا وهو وعد لجميع من آمن معه لكان قضاء حتميا واجب الوفاء سواء بقي الموعودون على صفاء إيمانهم وصلاح أعمالهم أو غيروا والله لا يخلف الميعاد.
والأصول القرآنية لا تساعد على ذلك ، ولا الفطرة السليمة ترضى أن ينسب إلى الله سبحانه أن يطبع بطابع المغفرة والجنة الحتمية على أحد لعمل عمله من الصالحات ثم يخلي بينه وبين ما شاء وأراد.
ولذلك نجده سبحانه إذا وعد وعدا علقه على عنوان من العناوين العامة كالإيمان والعمل الصالح يدور معه الوعد الجميل من غير أن يخص به أشخاصا بأعيانهم فيفيد التناقض بالجمع بين التكليف والتأمين كما قال تعالى:"وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات:"الآية - 72 من السورة ، وقال تعالى:"محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم - إلى أن قال - وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما:"الفتح: - 29.
قوله تعالى:"و جاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم"الآية.
الظاهر أن المراد بالمعذرين هم أهل العذر كالذي لا يجد نفقة ولا سلاحا بدليل قوله:"و قعد الذين كذبوا"الآية ، والسياق يدل على أن في الكلام قياسا لإحدى الطائفتين إلى الأخرى ليظهر به لؤم المنافقين وخستهم وفساد قلوبهم وشقاء نفوسهم ، حيث إن فريضة الجهاد الدينية والنصرة لله ورسوله هيج لذلك المعذرين من الأعراب وجاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يستأذنونه ، ولم يؤثر في هؤلاء الكاذبين شيئا.
قوله تعالى:"ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج"المراد بالضعفاء بدلالة سياق الآية: الذين لا قوة لهم على الجهاد بحسب الطبع كالزمنى كما أن المرضى لا قوة لهم عليه بحسب عارض مزاجي ، والذين لا يجدون ما ينفقون لا قوة لهم عليه من جهة فقد المال ونحوه.
فهؤلاء مرفوع عنهم الحرج والمشقة أي الحكم بالوجوب الذي لو وضع كان حكما حرجيا ، وكذا ما يستتبعه الحكم من الذم والعقاب على تقرير المخالفة.
وقد قيد الله تعالى رفع الحرج عنهم بقوله:"إذا نصحوا لله ورسوله"وهو ناظر إلى الذم والعقاب على المخالفة والقعود فإنما يرفع الذم والعقاب عن هؤلاء المعذورين إذا نصحوا لله ورسوله ، وأخلصوا من الغش والخيانة ولم يجروا في قعودهم على ما يجري عليه المنافقون المتخلفون من تقليب الأمور وإفساد القلوب في مجتمع المؤمنين ، وإلا فيجري عليهم ما يجري على المنافقين من الذم والعقاب.
وقوله:"ما على المحسنين من سبيل"في مقام التعليل لنفي الحرج عن الطوائف المذكورين بشرط أن ينصحوا لله ورسوله أي لأنهم يكونون حينئذ محسنين وما على المحسنين من سبيل فلا سبيل يتسلط عليهم يؤتون منه فيصابون بما يكرهونه.
ففي السبيل كناية عن كونهم في مأمن مما يصيبهم من مكروه كأنهم في حصن حصين لا طريق إلى داخله يسلكه الشر إليهم فيصيبهم ، والجملة عامة بحسب المعنى وإن كان مورد التطبيق خاصا.
قوله تعالى:"و لا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت"الآية قال في المجمع ،: الحمل إعطاء المركوب من فرس أو بعير أو غير ذلك تقول: حمله يحمله حملا إذا أعطاه ما يحمل عليه قال: أ لا فتى عنده خفان يحملني.