فهرس الكتاب

الصفحة 1979 من 4314

قوله تعالى:"و آخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا"الآية ، أي ومن الأعراب جماعة آخرون مذنبون لا ينافقون مثل غيرهم بل اعترفوا بذنوبهم لهم عمل صالح وعمل آخر سيىء خلطوا هذا بذلك من المرجو أن يتوب الله عليهم إن الله غفور رحيم.

وفي قوله:"عسى الله أن يتوب عليهم"إيجاد الرجاء في نفوسهم لتكون نفوسهم واقعة بين الخوف والرجاء من غير أن يحيط بها اليأس والقنوط ، وفي قوله:"إن الله غفور رحيم"ترجيح جانب الرجاء.

قوله تعالى:"خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم"التطهير إزالة الأوساخ والقذارات من الشيء ليصفى وجوده ويستعد للنشوء والنماء وظهور آثاره وبركاته ، والتزكية إنماؤه وإعطاء الرشد له بلحوق الخيرات وظهور البركات كالشجر يقطع الزوائد من فروعها فتزيد في حسن نموها وجودة ثمرتها فالجمع بين التطهير والتزكية في الآية من لطيف التعبير.

فقوله:"خذ من أموالهم صدقة"أمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأخذ الصدقة من أموال الناس ولم يقل: من مالهم ليكون إشارة إلى أنها مأخوذة من أصناف المال ، وهي النقدان: الذهب والفضة ، والأنعام الثلاثة: الإبل والبقر والغنم ، والغلات الأربع: الحنطة والشعير والتمر والزبيب.

وقوله:"تطهرهم وتزكيهم بها"خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وليس وصفا لحال الصدقة ، والدليل عليه ضمير بها الراجع إلى الصدقة أي خذ يا محمد من أصناف أموالهم صدقة تطهرهم أنت وتزكيهم بتلك الصدقة أي أخذها.

وقوله:"و صل عليهم"الصلاة عليهم هي الدعاء لهم والسياق يفيد أنه دعاء لهم ولأموالهم بالخير والبركة وهو المحفوظ من سنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان يدعو لمعطي الزكاة ولماله بالخير والبركة.

وقوله:"إن صلاتك سكن لهم"السكن ما يسكن إليه الشيء والمراد به أن نفوسهم تسكن إلى دعائك وتثق به وهو نوع شكر لسعيهم في الله كما أن قوله تعالى في ذيل الآية:"و الله سميع عليم"سكن يسكن إليه نفوس المكلفين ممن يسمع الآية أو يتلوها.

والآية تتضمن حكم الزكاة المالية التي هي من أركان الشريعة والملة على ما هو ظاهر الآية في نفسها ، وقد فسرتها بذلك أخبار متكاثرة من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وغيرهم.

قوله تعالى:"أ لم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وإن الله هو التواب الرحيم"استفهام إنكاري بداعي تشويق الناس إلى إيتاء الزكاة ، وذلك أنهم إنما يؤتون الصدقة لله وإنما يسلمونها إلى الرسول أو إلى عامله وجابيه بما أنه مأمور من قبل الله في أخذها فإيتاؤه إيتاء لله ، وأخذه أخذ من الله فالله سبحانه هو الأخذ لها بالحقيقة ، وقد قال تعالى في أمثاله:"إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم:"الفتح: - 10 وقال:"و ما رميت إذ رميت ولكن الله رمى:"الأنفال: - 13 وقال قولا عاما:"من يطع الرسول فقد أطاع الله:"النساء: - 80.

فإذا ذكر الناس بمثل قوله:"أ لم يعلموا أن الله"الآية ، انبعثت رغباتهم واشتاقوا أن يعاملوا ربهم فيصافحوه ويمسوا بأيديهم يده تنزه عن عوارض الأجسام وتعالى عن ملابسة الحدثان.

ومقارنته الصدقة بالتوبة لما أن التوبة تطهر وإيتاء الصدقة تطهر فالتصدق بصدقة توبة مالية كما أن التوبة بمنزلة الصدقة في الأعمال والحركات ، ولذلك عطف على صدر الآية قوله ذيلا:"و إن الله هو التواب الرحيم"فذكر عباده باسميه التواب والرحيم ، وجمع فيهما التوبة والتصدق.

وقد بان من الآية أن التصدق وإيتاء الزكاة نوع من التوبة.

قوله تعالى:"و قل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"الآية ، الآية على ظاهر اتصالها بما قبلها كأنها تخاطب المؤمنين وتسوقهم وتحرضهم إلى إيتاء الصدقات.

غير أن لفظها مطلق لا دليل على تخصيص خطابها بالمتصدقين من المؤمنين ولا بعامة المؤمنين بل هي تشمل كل ذي عمل من الناس من الكفار والمنافقين والمؤمنين ولا أقل من شمولها للمنافقين والمؤمنين جميعا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت