فهرس الكتاب

الصفحة 1978 من 4314

و لو كان الحكم في الآية غير مقيد بقيد الإيمان والعمل الصالح وكانوا مرضيين عند الله مغفورا لهم أحسنوا أو أساءوا واتقوا أو فسقوا كان ذلك تكذيبا صريحا لقوله تعالى:"فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين:"التوبة: - 96 ، وقوله:"و الله لا يهدي القوم الفاسقين:"التوبة: - 80 ، وقوله:"و الله لا يحب الظالمين:"آل عمران: - 57 إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة مطابقة أو التزاما أن الله لا يرضى عن الظالم والفاسق وكل من لا يطيعه في أمر أو نهي ، وليست الآيات مما يقبل التقييد أو النسخ وكذا أمثال قوله تعالى خطابا للمؤمنين:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به:"النساء: - 123.

على أن لازم عدم تقييد الحكم في هذه الآية تقييد جميع الآيات الدالة على الجزاء والمشتملة على الوعيد والتهديد ، وهي آيات جمة في تقييدها اختلال نظام الوعد والوعيد وإلغاء معظم الأحكام والشرائع ، وبطلان الحكمة ، ولا فرق في ذلك بين أن نقول بكون"من"تبعيضية والفضل لبعض المهاجرين والأنصار أو بيانية والفضل للجميع والرضى الإلهي للكل ، وهو ظاهر.

وقوله تعالى:"رضي الله عنهم ورضوا عنه"الرضى منا موافقة النفس لفعل من الأفعال من غير تضاد وتدافع يقال: رضي بكذا أي وافقه ولم يمتنع منه ، ويتحقق بعدم كراهته إياه سواء أحبه أو لم يحبه ولم يكرهه فرضى العبد عن الله هو أن لا يكره بعض ما يريده الله ولا يحب بعض ما يبغضه ولا يتحقق إلا إذا رضي بقضائه تعالى وما يظهر من أفعاله التكوينية ، وكذا بحكمه وما أراده منه تشريعا ، وبعبارة أخرى إذا سلم له في التكوين والتشريع وهو الإسلام والتسليم لله سبحانه.

وهذا بعينه شاهد آخر على ما تقدم أن الحكم في الآية مقيد بالإيمان والعمل الصالح بمعنى أن الله سبحانه إنما يمدح من المهاجرين والأنصار والتابعين من آمن به وعمل صالحا ، ويخبر عن رضاه عنه وإعداده له جنات تجري تحتها الأنهار.

وليس مدلول الآية أن من صدق عليه أنه مهاجر أو أنصاري أو تابع فإن الله قد رضي عنه رضا لا سخط بعده أبدا وأوجب في حقه المغفرة والجنة سواء أحسن بعد ذلك أو أساء ، اتقى أو فسق.

وأما رضاه تعالى فإنما هو من أوصافه الفعلية دون الذاتية فإنه تعالى لا يوصف لذاته بما يصير معه معرضا للتغيير والتبدل كأن يعرضه حال السخط إذا عصاه ثم الرضى إذا تاب إليه ، وإنما يرضى ويسخط بمعنى أنه يعامل عبده معاملة الراضي من إنزال الرحمة وإيتاء النعمة أو معاملة الساخط من منع الرحمة وتسليط النقمة والعقوبة.

ولذلك كان من الممكن أن يحدث له الرضى ثم يتبدل إلى السخط أو بالعكس غير أن الظاهر من سياق الآية أن المراد بالرضى هو الرضى الذي لا سخط بعده فإنه حكم محمول على طبيعة أخيار الأمة من سابقيهم وتابعيهم في الإيمان والعمل الصالح ، وهذا أمر لا مداخلة للزمان فيه حتى يصح فرض سخط بعد رضى وهو بخلاف قوله تعالى:"لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة"الآية: الفتح: - 18 فإنه رضى مقيد بزمان خاص يصلح لنفسه لأن يفرض بعده سخط.

قوله تعالى:"و ممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة"الآية حول الشيء ما يجاوره من المكان من أطرافه وهو ظرف ، والمرد العتو والخروج عن الطاعة ، والممارسة والتمرين على الشر وهو المعنى المناسب لقوله في الآية:"مردوا على النفاق"أي مرنوا عليه ومارسوا حتى اعتادوه.

ومعنى الآية: وممن في حولكم أو حول المدينة من الأعراب الساكنين في البوادي منافقون مرنوا على النفاق ومن أهل المدينة أيضا منافقون معتادون على النفاق لا تعلمهم أنت يا محمد نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم.

وقد اختلفت كلماتهم في المراد من تعذيبهم مرتين ما هما المرتان؟ فقيل: يعني مرة في الدنيا بالسبي والقتل ونحوهما ومرة بعذاب القبر ، وقيل: في الدنيا بأخذ الزكاة وفي الآخرة بعذاب القبر ، وقيل بالجوع مرتين وقيل مرة عند الاحتضار ومرة في القبر وقيل: بإقامة الحدود وعذاب القبر ، وقيل: مرة بالفضيحة في الدنيا ومرة بالعذاب في القبر ، وقيل غير ذلك ، ولا دليل على شيء من هذه الأقوال ، وإن كان ولا بد فأولها أولاها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت