فهرس الكتاب

الصفحة 1977 من 4314

ثم إن قوله:"و الذين اتبعوهم بإحسان"قيد فيه اتباعهم بإحسان ولم يرد الاتباع في الإحسان بأن يكون المتبوعون محسنين ثم يتبعهم التابعون في إحسانهم ويقتدوا بهم فيه - على أن يكون الباء بمعنى في - ولم يرد الاتباع بواسطة الإحسان - على أن يكون الباء للسببية أو الآلية - بل جيء بالإحسان منكرا ، والأنسب له كون الباء بمعنى المصاحبة فالمراد أن يكون الاتباع مقارنا لنوع ما من الإحسان مصاحبا له ، وبعبارة أخرى يكون الإحسان وصفا للاتباع.

وإنا نجده تعالى في كتابه لا يذم من الاتباع إلا ما كان عن جهل وهوى كاتباع المشركين آباءهم ، واتباع أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم وأسلافهم عن هوى واتباع الهوى واتباع الشيطان فمن اتبع شيئا من هؤلاء فقد أساء في الاتباع ومن اتبع الحق لا لهوى متعلق بالأشخاص وغيرهم فقد أحسن في الاتباع ، قال تعالى:"الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله:"الزمر: - 18 ومن الإحسان في الاتباع كمال مطابقة عمل التابع لعمل المتبوع ويقابله الإساءة فيه.

فالظاهر أن المراد بالذين اتبعوهم بإحسان أن يتبعوهم بنوع من الإحسان في الاتباع وهو أن يكون الاتباع بالحق - وهو اتباعهم لكون الحق معهم - ويرجع إلى اتباع الحق بالحقيقة بخلاف اتباعهم لهوى فيهم أو في اتباعهم ، وكذا مراقبة التطابق.

هذا ما يظهر من معنى الاتباع بإحسان ، وأما ما ذكروه من أن المراد كون الاتباع مقارنا لإحسان في المتبع عملا بأن يأتي بالأعمال الصالحة والأفعال الحسنة فهو لا يلائم كل الملاءمة التنكير الدال على النوع في الإحسان ، وعلى تقدير التسليم لا مفر فيه من التقييد بما ذكرنا فإن الاتباع للحق وفي الحق يستلزم الإتيان بالأعمال الحسنة الصالحة دون العكس وهو ظاهر.

فقد تلخص أن الآية تقسم المؤمنين من الأمة إلى ثلاثة أصناف: صنفان هما السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ، والصنف الثالث هم الذين اتبعوهم بإحسان.

وظهر مما تقدم أولا: أن الآية تمدح الصنفين الأولين ، بالسبق إلى الإيمان والتقدم في إقامة صلب الدين ورفع قاعدته ، وتفضيلهم على غيرهم على ما يفيده السياق.

وثانيا: أن"من"في قوله:"من المهاجرين والأنصار"تبعيضية لا بيانية لما تقدم من وجه فضلهم ، ولما أن الآية تذكر أن الله رضي عنهم ورضوا عنه ، والقرآن نفسه يذكر أن منهم من في قلبه مرض ومنهم سماعون للمنافقين ، ومنهم من يسميه فاسقا ، ومنهم من تبرأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من عمله ولا معنى لرضى الله عنهم ، والله لا يرضى عن القوم الفاسقين.

وثالثا: أن الحكم بالفضل ورضى الله سبحانه في الآية مقيد بالإيمان والعمل الصالح على ما يعطيه السياق فإن الآية تمدح المؤمنين في سياق تذم فيه المنافقين بكفرهم وسيئات أعمالهم ويدل على ذلك سائر المواضع التي مدحهم الله فيها أو ذكرهم بخير ووعدهم وعدا جميلا فقد قيد جميع ذلك بالإيمان والعمل الصالح كقوله تعالى:"للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله"إلى آخر الآيات الثلاث: الحشر: - 8.

وقوله فيما حكاه من دعاء الملائكة لهم:"و يستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم:"المؤمن: - 8.

وقوله:"محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم - إلى أن قال - وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما:"الفتح: - 29.

وقوله:"و الذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرىء بما كسب رهين:"الطور: - 21 انظر إلى موضع قوله:"بإيمان"وقوله: كل امرىء"إلخ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت