فهرس الكتاب

الصفحة 1990 من 4314

و قد قلبه سبحانه في قالب التمثيل فصور ذلك بيعا ، وجعل نفسه مشتريا والمؤمنين بائعين ، وأنفسهم وأموالهم سلعة ومبيعا ، والجنة ثمنا ، والتوراة والإنجيل والقرآن سندا للمبايعة ، وهو من لطيف التمثيل ثم يبشر المؤمنين ببيعهم ذلك ، ويهنئهم بالفوز العظيم.

قوله تعالى:"التائبون العابدون الحامدون السائحون"إلى آخر الآية ، يصف سبحانه المؤمنين بأجمل صفاتهم ، والصفات مرفوعة بالقطع أي المؤمنون هم التائبون العابدون إلخ ، فهم التائبون لرجوعهم من غير الله إلى الله سبحانه العابدون له ويعبدونه بألسنتهم فيحمدونه بجميل الثناء ، وبأقدامهم فيسيحون ويجولون من معهد من المعاهد الدينية ومسجد من مساجد الله إلى غيره ، وبأبدانهم فيركعون له ويسجدون له.

هذا شأنهم بالنسبة إلى حال الانفراد وأما بالنسبة إلى حال الاجتماع فهم آمرون بالمعروف في السنة الدينية وناهون عن المنكر فيها ثم هم حافظون لحدود الله لا يتعدونه في حالتي انفرادهم واجتماعهم خلوتهم وجلوتهم ، ثم يأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يبشرهم وقد بشرهم تعالى نفسه في الآية السابقة ، وفيه من كمال التأكيد ما لا يقدر قدره.

وقد ظهر بما قررنا أولا: وجه الترتيب بين الأوصاف التي عدها لهم فقد بدأ بأوصافهم منفردين وهي التوبة والعبادة والسياحة والركوع والسجود ثم ذكر ما لهم من الوصف الخاص بهم المنبعث عن إيمانهم مجتمعين وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وختم بما لهم من جميل الوصف في حالتي انفرادهم واجتماعهم وهو حفظهم لحدود الله ، وفي التعبير بالحفظ مضافا إلى الدلالة على عدم التعدي دلالة على الرقوب والاهتمام.

وثانيا: أن المراد بالسياحة - ومعناه السير في الأرض - على ما هو الأنسب بسياق الترتيب هو السير إلى مساكن ذكر الله وعبادته كالمساجد ، وأما القول بأن المراد بالسياحة الصيام أو السياحة في الأرض للاعتبار بعجائب قدرة الله وما جرى على الأمم الماضية مما تحكيه ديارهم وآثارهم أو المسافرة لطلب العلم أو المسافرة لطلب الحديث خاصة فهي وجوه غير سديدة.

أما الأول: فلا دليل عليه من جهة اللفظ البتة ، وأما الوجوه الأخر فإنها وإن كانت ربما استفيد الندب من مثل قوله تعالى:"أ فلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم:"المؤمن: - 82 ، وقوله:"فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين:"الآية - 122 من السورة إلا أن إرادتها من قوله:"السائحون"تبطل جودة الترتيب بين الصفات المنضودة.

وثالثا: أن هذه الصفات الشريفة هي التي يتم بها إيمان المؤمن المستوجب للوعد القطعي بالجنة المستتبع للبشارة الإلهية والنبوية وهي الملازمة للقيام بحق الله المستلزمة لقيام الله سبحانه بما جعله من الحق على نفسه.

قوله تعالى:"ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى"إلى آخر الآيتين ، معنى الآية ظاهر غير أنه تعالى لما ذكر في الآية الثانية التي تبين سبب استغفار إبراهيم لأبيه مع كونه كافرا أنه تبرأ منه بعد ذلك لما تبين له أنه عدو لله ، فدل ذلك على أن تبين كون المشركين أصحاب الجحيم إنما يرشد إلى عدم جواز الاستغفار لكونه ملازما لكونهم أعداء لله فإذا تبين للنبي والذين آمنوا أن المشركين أعداء لله كشف ذلك لهم عن حكم ضروري وهو عدم جواز الاستغفار لكونه لغوا لا يترتب عليه أثر وخضوع الإيمان مانع أن يلغو العبد مع ساحة الكبرياء.

وذلك أنه تارة يفرض الله تعالى عدوا للعبد مبغضا له لتقصير من ناحيته وسوء من عمله فمن الجائز بالنظر إلى سعة رحمة الله أن يستغفر له ويسترحم إذا كان العبد متذللا غير مستكبر ، وتارة يفرض العبد عدوا لله محاربا له مستكبرا مستعليا كأرباب الجحود والعناد من المشركين ، والعقل الصريح حاكم بأنه لا ينفعه حينئذ شفاعة بمسألة أو استغفار إلا أن يتوب ويرجع إلى الله وينسلخ عن الاستكبار والعناد ويتلبس بلباس الذلة والمسكنة فلا معنى لسؤال الرحمة والمغفرة لمن يأبى عن القبول ، ولا للاستعطاء لمن لا يخضع للأخذ والتناول إلا الهزء بمقام الربوبية واللعب بمقام العبودية وهو غير جائز بضرورة من حكم الفطرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت