ثم اكتشف من طريق النظر العلمي أن ذلك لا يختص بأقسام الحيوان كما كان يعطيه النظر الابتدائي فإن الملاك الذي كان يوجب للحيوان كونه ذا حياة - وهو كونه ذا نفس يصدر عنها أعمال مختلفة لا على وتيرة واحدة طبيعية كحركته إلى جهات مختلفة بحركات مختلفة وسكونه من غير حركة - موجود في النبات.
وكذلك الأبحاث الجارية على الطرق الحديثة تعطي ذلك فإن جراثيم الحياة الموجودة في الحيوان التي إليها تنتهي أعماله الحيوية توجد في النبات نظيرها فهو ذو حياة كمثل الحيوان فالنظر العلمي على أي حال يهدي إلى عموم الحياة لجميع أنواع الحيوان والنبات.
ثم الحياة وهي تقابل الموت الذي هو بطلان مبدإ الأعمال الحيوية تعود بحسب التحليل إلى كون الشيء بحيث تترتب عليه آثاره المطلوبة منه كما أن الموت عدم كونه كذلك فحياة الأرض هي كونها نابتة مخضرة وموتها خلافه ، وحياة العمل كونه بحيث ينتهي إلى الغرض الذي أتي به لأجله وموته خلافه ، وحياة الكلمة كونها بحيث تؤثر في السامع أثرا مطلوبا وموتها خلافه ، وحياة الإنسان كونه جاريا على ما تهدي إليه الفطرة الإنسانية ككونه ذا عقل سليم ونفس زاكية ، ولذا عد القرآن الشريف الدين حياة للإنسان لأنه يرى أن الدين الحق وهو الإسلام هو الفطرة الإلهية.
إذا تبين هذا اتضح أن خروج الحي من الميت وخروج الميت من الحي يختلف.
معناه بحسب اختلاف المراد بالحياة والموت فعلى النظرتين الأوليين هو خروج الحيوان أو الحيوان والنبات بالكينونة من غيرها كالمني والبيضة والبذر فإن الحي كما لا تدوم له هذه الحياة بقاء إلى غير النهاية لا تذهب أيضا بحسب البدء في حياة غير متناهية ولا طريق إلى إثباته ، وخروج أجزاء غير ذات حياة من الحيوان أو الحيوان والنبات بالانفصال.
وعلى النظرة الأخيرة أعني نظرة تعميم الحياة لكل ما يترتب عليه آثارها المطلوبة منها هو أن يخرج من الأمور غير المفيدة في باب أمور مفيدة في ذلك الباب بالكينونة والتولد كخلق الإنسان الحي والحيوان الحي والنبات الحي من التراب الميت وبالعكس ، وكخروج الإنسان العاقل الصالح من الإنسان الذي لا عقل له ولا صلاح وبالعكس ، وخروج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.
وظاهر الآية الكريمة بالنظر إلى سياقها ومقام المخاطبة فيها أن يكون المراد بإخراج الحي من الميت وبالعكس فيها هو هذا المعنى الأخير ، وذلك أن الآية تقيم الحجة على المشركين من المسلك الذي كانوا يسلكونه في الاحتجاج على اتخاذ الآلهة المختلفة وهو أن العالم المشهود مجموعة من موجودات مختلفة متشتتة علوية وسفلية والسفلية من إنسان وحيوان ونبات وبحر وبر وأمور وراء ذلك كثيرة ، وكل منها تحت تدبير مدبر شفيع عند الله نعبده بعبادة صنمه ليقربنا إلى الله زلفى وبالجملة انتهاء التدبيرات على اختلافها إلى مدبرات مختلفة يوجب وجود أرباب من دون الله كثيرة.
والآية ترد عليهم حجتهم ببيان انتهاء التدبيرات المختلفة إليه تعالى وأن ذلك يدل على أن الله سبحانه رب كل شيء وحده ، فهي تخاطبهم بأنكم تعترفون بأن ما يخصكم من التدبير كرزقكم وما يعمكم وغيركم منه ينتهي إلى الله سبحانه فهو المدبر لأمركم وأمر غيركم فهو الرب لا رب سواه.
وقد بدأت في التعداد بما يخص الإنسان أعني قوله:"قل من يرزقكم من السماء والأرض"وختمت بما يعمه وغيره أعني قوله:"و من يدبر الأمر"وظاهر السياق أن يكون المراد بقوله:"أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت"هو التدبير الخاص بالإنسان فيكون المراد ملك السمع والأبصار التي لأفراد الإنسان ، وكذا إخراج الحي من الإنسان من ميتة وبالعكس ، وقد تبين أن الحياة المخصوصة بالإنسان هو كونه ذا نعمة العقل والدين.
فالمراد بإخراج الحي من الميت وبالعكس - والله أعلم - إخراج الإنسان الحي بالسعادة الإنسانية من الإنسان الميت الذي لا سعادة له وبالعكس.