فهرس الكتاب

الصفحة 2027 من 4314

فالله سبحانه يلقن نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) الحجة على توحيده بالربوبية فأمره بقوله:"قل"إن يقول لهم في سياق الاستفهام"من يرزقكم من السماء والأرض"بالأمطار والإنبات والتكوين"أمن يملك السمع والأبصار"منكم فتتم بهما فائدة رزقكم حيث ترتزقون بتشخيصهما من طيبات الرزق ، ولولاهما لم توفقوا لذلك وفنيتم عن آخركم"و من يخرج الحي من الميت"أي كل أمر مفيد في بابه من غيره"و يخرج الميت من الحي"فيتولد الإنسان السعيد من الشقي والشقي من السعيد"و من يدبر الأمر"في جميع الخليقة.

"فسيقولون الله"اعترافا بأنه الذي ينتهي إليه جميع هذه التدبيرات في الإنسان وغيره لأن الوثنيين يعتقدون ذلك فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يوبخهم أولا على ترك تقوى الله بعبادة غيره مع ظهور الحجة ثم يستنتج لهم من الحجة وجوب توحيده تعالى فقال:"فقل أ فلا تتقون"ثم قال:"فذلكم الله ربكم".

قوله تعالى:"فذلكم الله ربكم الحق فما ذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون"الجملة الأولى نتيجة الحجة السابقة ، وقد وصف الرب بالحق ليكون توضيحا لمفاد الحجة ، وتوطئة وتمهيدا لقوله بعده:"فما ذا بعد الحق إلا الضلال".

وقوله:"فما ذا بعد الحق إلا الضلال"أخذ بلازم الحجة السابقة لاستنتاج أنهم ضالون في عبادة الأصنام فإنه إذا كانت ربوبيته تعالى حقة فإن الهدى في اتباعه وعبادته فإن الهدى مع الحق لا غير فلا يبقى عند غيره الذي هو الباطل إلا الضلال.

فتقدير الكلام: فما ذا بعد الحق الذي معه الهدى إلا الباطل الذي معه الضلال فحذف من كل من الطرفين شيء وأقيم الباقي مقامه إيجازا ، وقيل: فما ذا بعد الحق إلا الضلال ، ولذا قال بعضهم: إن في الآية احتباكا - وهو من المحسنات البديعية - وهو أن يكون هناك متقابلان فيحذف من كل منهما شيء يدل عليه الآخر فإن تقدير الكلام: فما ذا بعد الحق إلا الباطل؟ وما ذا بعد الهدى إلا الضلال؟ فحذف الباطل من الأول والهدى من الثاني وبقي قوله: فما ذا بعد الحق إلا الضلال؟ والوجه هو الذي قدمناه.

ثم تمم الآية بقوله:"فأنى تصرفون"أي إلى متى تصرفون عن الحق الذي معه الهدى إلى الضلال الذي مع الباطل.

قوله تعالى:"كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون"ظاهر السياق أن الكلمة التي تكلم الله سبحانه بها على الفاسقين هي أنهم لا يؤمنون أي أنه سبحانه قضى عليهم قضاء حتما وهو أن الفاسقين وهم على فسقهم - لا يؤمنون ولا تنالهم الهداية الإلهية إلى الإيمان ، وقد قال تعالى:"و الله لا يهدي القوم الفاسقين:"المائدة: - 108.

وعلى هذا فالإشارة بقوله:"كذلك"إلى ما تحصل من الآية السابقة: أن المشركين صرفوا عن الحق وفسقوا عنه فوقعوا في الضلال إذ ليس بعد الحق إلا الضلال.

فمعنى قوله:"كذلك حقت كلمة ربك"إلخ ، أن الكلمة الإلهية والقضاء الحتمي الذي قضي به في الفاسقين - وهو أنهم لا يؤمنون - هكذا حقت وثبتت في الخارج وأخذت مصداقها وهو أنهم خرجوا عن الحق فوقعوا في الضلال أي أنا لم نقض عدم هدى الفاسقين وعدم إيمانهم ظلما ولا جزافا وإنما قضينا ذلك لأنهم صرفوا عن الحق وفسقوا فوقعوا في الضلال ولا واسطة بينهما فافهم ذلك.

وفي الآية دلالة على أن الأمور الضرورية والأحكام والقوانين البينة التي تجري في النظام المشهود كقولنا: لا واسطة بين الحق والباطل ولا بين الهدى والضلال لها نوع استناد إلى القضاء الإلهي ، وليست ثابتة في ملكه تعالى من تلقاء نفسها.

وربما ذكر بعض المفسرين: أن المراد بالكلمة في الآية كلمة العذاب وقوله:"أنهم لا يؤمنون"في موضع التعليل بتقدير لامه ، والتقدير كثبوت هذه الحجة عليهم حقت كلمة ربك على الذين فسقوا وهي وعيدهم بالعذاب وإنما حقت عليهم العذاب لأنهم لا يؤمنون.

ولا يخلو عن سقم فإن وجه الشبه غير ظاهر ولا متفق فيهما فالحجة ثابتة عليهم بذاتها وأما العذاب فليس ثبوته كذلك بل لأمر آخر وهو أنهم لا يؤمنون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت