فهرس الكتاب

الصفحة 2028 من 4314

و الحجة - كما سمعت في البيان المتقدم - حجة ساذجة يعترف بحقيتها الوثنية ، وقد صرفوها عن وجهها وأقاموا على ما يدعونها من ربوبية أربابهم واستحقاقها للعبادة من دون الله حيث قالوا: إن تدبير كل شأن من شئون العالم العامة إلى واحد من هذه الأرباب فهو رب ذلك الشأن ، وإنما نعبد أصنامها وتماثيلها لنرضيها بذلك فتشفع لنا عند الله بما لها من القرب عنده.

فأخذت الآية اعترافهم بأن هذه التدابير لله سبحانه - وكيف لا تكون له وهو خالق الكل ومبقيها؟ - فله سبحانه وحده حقيقة الربوبية وهو المستحق للعبادة لا غيره.

قوله تعالى:"قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده"إلى آخر الآية.

تلقين للاحتجاج من جهة المبدإ والمعاد فإن الذي يبدأ كل شيء ثم يعيده يستحق أن يعبده الإنسان اتقاء من يوم لقائه ليأمن من أليم عذابه وينال عظيم ثوابه يوم المعاد.

ولما كان المشركون - وهم المخاطبون بالحجة - غير قائلين بالمعاد أمر تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتصدى جواب سؤاله بنفسه وقال:"قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون"وإلى متى تصرفون عن الحق.

وليس اعتماد الآية على مسألة الإبداء والإعادة في احتجاجها اعتمادا على مقدمة غير بينة ولا مبينة فقد احتج عليها في كلامه تعالى من طرق مختلفة كالاحتجاج من طريق لزوم الغاية في فعله ، ومن طريق وجوب الجزاء على الأعمال في العدل وغير ذلك وقد نفى سبحانه الريب عن البعث والقيامة فيما يبلغ عشر مواضع من كلامه.

والحجة - كما تقدم الإيماء إليه - حجة عامة المؤمنين الذين يعبدونه تعالى خوفا من العقاب أو رغبة في الثواب الذي أعد لهم يوم القيامة.

قوله تعالى:"قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق"إلى آخر الآية ، يهدي للحق وإلى الحق بمعنى واحد فالهداية تتعدى بكلتا الحرفين ، وقد ورد تعديتها باللام في مواضع كثيرة من كلامه تعالى كقوله:"أ ولم يهد لهم:"الم السجدة: - 26 ، وقوله:"يهدي للتي هي أقوم:"إسراء: - 9 إلى غير ذلك فما ذكره بعضهم من كون اللام في قوله:"يهدي للحق للتعليل ليس بشيء."

لقن سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الحجة وهي ثالثة الحجج ، وهي حجة عقلية يعتمد عليها الخاصة من المؤمنين ، وتوضيحها أن من المرتكز في الفطرة الإنسانية وبه يحكم عقله أن من الواجب على الإنسان أن يتبع الحق حتى إنه إن انحرف في شيء من أعماله عن الحق واتبع غيره لغلط أو شبهة أو هوى فإنما اتبعه لحسبانه إياه حقا والتباس الأمر عليه ، ولذا يعتذر عنه بما يحسبه حقا فالحق واجب الاتباع على الإطلاق ومن غير قيد أو شرط.

والهادي إلى الحق واجب اتباعه لما عنده من الحق ، ومن الواجب ترجيحه على من لا يهدي إليه أو يهدي إلى غيره لأن اتباع الهادي إلى الحق اتباع لنفس الحق الذي معه وجوب اتباعه ضروري.

وقد اعتمد في الحجة على هذه المقدمة الضرورية فافتتح الكلام فيها بسؤالهم عن شركائهم هل فيهم من يهدي إلى الحق؟ ومن البين أن لا جواب للمشركين في ذلك مثبتا إذ شركاؤهم سواء أ كانوا جمادا غير ذي حياة كالأوثان والأصنام أم كانوا من الإحياء كالملائكة وأرباب الأنواع والجن والطواغيت من فرعون ونمرود وغيرهما لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا.

وإذ لم يكن لهم في ذلك جواب مثبت فإنهم لا يجيبون ، ولذلك أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخلفهم في الجواب فيجيب في ذلك - أعني الهداية إلى الحق - بإثباتها لله سبحانه فقيل:"قل الله يهدي للحق"فإن الله سبحانه هو الذي يهدي كل شيء إلى مقاصده التكوينية والأمور التي يحتاج إليها في بقائه كما في قوله:"ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى: طه - 50 وقوله الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى:"الأعلى: - 3 وهو الذي يهدي الإنسان إلى سعادة الحياة ويدعوه إلى الجنة والمغفرة بإذنه بإرسال الرسل وإنزال الكتب وتشريع الشرائع ، وأمرهم ببث الدعوة الحقة الدينية بين الناس.

وقد مر في تفسير قوله تعالى:"الحق من ربك فلا تكن من الممترين:"آل عمران: - 60 إن الحق من الاعتقاد والقول والفعل إنما يكون حقا بمطابقة السنة الجارية في الكون للذي هو فعله فالحق بالحقيقة إنما يكون حقا بمشيته وإرادته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت