و إذ تحقق أنه ليس من شركائهم من يهدي إلى الحق ، وأن الله سبحانه يهدي إلى الحق سألهم بقوله:"أ فمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى"؟ أن يقضوا في الترجيح بين اتباعه تعالى واتباع شركائهم وهو تعالى يهدي إلى الحق وهم لا يهدون ولا يهتدون إلا بغيرهم ، ومن المعلوم أن الرجحان لمن يهدي على من لا يهدي أي لاتباعه تعالى على اتباعهم ، والمشركون يحكمون بالعكس ، ولذلك لامهم ووبخهم بقوله:"فما لكم كيف تحكمون"؟.
والتعبير في الترجيح في قوله:"أحق أن يتبع بأفعل التفضيل الدال على مطلق الرجحان دون التعين والانحصار مع أن اتباعه تعالى حق لا غير واتباعهم لا نصيب له من الحق إنما هو بالنظر إلى مقام الترجيح وليسهل بذلك قبولهم للقول من غير إثارة لعصبيتهم وتهييج لجهالتهم."
وقد أبدع تعالى في قوله"أ فمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى"والقراءة الدائرة:"لا يهدي"بكسر الهاء وتشديد الدال وأصله يهتدي ، وظاهر قوله:"لا يهدي إلا أن يهدى"وقد حذف متعلقات الفعل فيه أنه إنما يهتدي بغيره لا بنفسه.
والكلام قد قوبل فيه قوله:"يهدي إلى الحق"بقوله:"من لا يهدي"مع أن الهداية إلى الحق يقابلها عدم الهداية إلى الحق ، وعدم الاهتداء إلى الحق يقابله الاهتداء إلى الحق فلازم هذه المقابلة الملازمة بين الاهتداء بالغير وعدم الهداية إلى الحق ، وكذا الملازمة بين الهداية إلى الحق والاهتداء بالذات فالذي يهدي إلى الحق يجب أن يكون مهتديا بنفسه لا بهداية غيره والذي يهتدي بغيره ليس يهدي إلى الحق أبدا.
هذا ما تدل عليه الآية بحسب ظاهرها الذي لا ريب فيه وهو أعدل شاهد على أن الكلام موضوع فيها على الحقيقة دون التجوزات المبنية على المساهلة التي نبني عليها ونداولها فيما بيننا معاشر أهل العرف فننسب الهداية إلى الحق إلى كل من تكلم بكلمة حق ودعا إليها وإن لم يعتقد بها أو اعتقد ولم يعمل بها أو عمل ولم يتحقق بمعناها ، وسواء اهتدى إليها بنفسه أو هداه إليها غيره.
بل الهداية إلى الحق أعني الإيصال إلى صريح الحق ومتن الواقع ليس إلا لله سبحانه أو لمن اهتدى بنفسه أي هداه الله سبحانه من غير واسطة تتخلل بينه وبينه فاهتدى بالله وهدى غيره بأمر الله سبحانه ، وقد تقدمت نبذة من الكلام في هذا المعنى في ذيل قوله تعالى:"و إذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن:"الآية البقرة: - 124.
وقد تبين بما قدمناه في معنى الآية أمور: أحدها: أن المراد بالهداية إلى الحق ما هو بمعنى الإيصال إلى المطلوب دون ما هو بمعنى إراءة الطريق المنتهي إلى الحق فإن من الضروري أن وصف طريق الحق يتأتى من كل أحد سواء اهتدى إلى الحق بنفسه أو بغيره أو لم يهتد.
وثانيها: أن المراد بقوله:"من لا يهدي إلا أن يهدى"من لا يهتدي بنفسه ، وهذا أعم من أن يكون ممن يهتدي بغيره أو يكون ممن لا يهتدي أصلا ، لا بنفسه ولا بغيره كالأوثان والأصنام التي هي جماد لا يقبل هداية من غيره ، وذلك أن قوله:"إلا أن يهدى"استثناء من قوله:"من لا يهدي"الأعم من أن لا يهتدي أصلا أو يهتدي بغيره والمأخوذ في قوله:"أن يهدى"فعل دخلت عليه أن المصدرية المأولة إلى المصدر ، والجملة الفعلية المأولة إلى المصدر كذلك لا يدل على التحقق بخلاف المصدر المضاف إلى معموله ففرق بين قوله:"أن تصوموا خير لكم:"البقرة: - 184 فلا يدل على الوقوع وبين نحو قوله:"إن كنا عن عبادتكم لغافلين:"يونس: - 29 فيدل على الوقوع ، ويقال: ضربك زيدا عجيب إذا ضربته ، وأن تضرب زيدا عجيب إذا هممت أن تضربه.
فقوله:"من لا يهدي إلا أن يهدى"معناه من لا يكون هداه من نفسه إلا أن تأتيه الهداية من ناحية الغير ، ومن المعلوم أنها إنما تأتيه من الغير إذا كان في طبعه أن يقبل ذلك ، وأما إذا لم يقبل فإنما يبقى له من الوصف أنه لا يهتدي فافهم ذلك.
وللمفسرين في معنى هذا الاستثناء أقوال عجيبة: منها: أنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال لأن من نفى عنهم الهداية ممن اتخذوا شركاء لله تعالى يشمل المسيح عيسى بن مريم وعزيرا والملائكة (عليهم السلام) ، وهؤلاء كانوا يهدون إلى الحق بهداية الله ووحيه كما قال تعالى في الأنبياء من سورتهم:"و جعلناهم أئمة يهدون بأمرنا:"الأنبياء: - 73.