فهرس الكتاب

الصفحة 2030 من 4314

و فيه: أن محصله أن المعنى لا يهدي إلا أن يهديه الله تعالى فيهدي غيره بعد اهتدائه بهدايته تعالى ، وقد اختل عليه معنى الآية من أصله فإن من لا يهتدي إلى الحق بنفسه لا يتأتى له أن يهدي إلى الحق فإنه إنما يماس الحق من وراء حجاب فكيف يوصل إليه؟.

على أن ما ذكره لا ينطبق على الأصنام التي هي مورد الاحتجاج في الآية فإنها لا تقبل الهداية من أصلها ، وقد ذكر المسيح وعزيرا وهما ممن قدسته النصارى واليهود وليس وجه الكلام في الآية إليهم وإن شملتهما وغيرهما الآية بحسب عموم الملاك.

ومنها: أن الاستثناء منقطع والمراد بمن لا يهدي الأصنام التي لا تقبل الهداية أصلا فحسب ، والمعنى: أم من لا يهتدي أصلا كالأصنام إلا أن يهديه الله فيهتدي حينئذ.

وفيه: أنه لا يفي بتوجيه المقابلة التي بين قوله:"من يهدي إلى الحق"وقوله:"من لا يهدي"فإن الهداية إلى الحق والاهتداء إليه لا يتقابلان إلا أن يئول المعنى إلى مثل قولنا: أ فمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهتدي أصلا إلا أن يهديه الله فيهتدي فيهدي غيره ، ويرد عليه أنه لا وجه حينئذ لتخصيصه بمثل الأصنام ممن لا يهتدي أصلا حتى يصير الاستثناء منقطعا بل يعم ما لا يهتدي أصلا لا بنفسه ولا بغيره ، ومن لا يهتدي بنفسه ويهتدي بغيره كالملائكة مثلا ، ويرد عليه ما ورد على الوجه السابق.

ومنها: أن المراد بمن لا يهدي الأصنام التي لا تقبل الهداية و"إلا"بمعنى حتى والمعنى لا يهتدي ولا يقبل الهداية حتى يهدى.

وفيه: أن الترديد يرجع حينئذ إلى مثل قولنا: أ فمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهتدي أصلا حتى يهدى إلى الحق ، ويعود الاستثناء مستدركا لا يتعلق به غرض في الكلام.

مضافا إلى أن مجيء إلا بمعنى حتى غير ثابت وعلى تقدير ثبوته قليل في الكلام لا يحمل على مثله أفصح الكلام.

ومنها: أن المراد بمن لا يهدي إلا أن يهدى الملائكة والجن ممن يعبدون من دون الله وهم يقبلون الهداية من الله وإن لم يهتدوا من عند أنفسهم أو المراد الرؤساء المضلون الذين يدعون إلى الكفر فإنهم وإن لم يهتدوا لكنهم يقبلون الهداية ولو هدوا إلى الحق لهدوا إليه.

وفيه: أن الآيات واقعة في سياق الاحتجاج على عبدة الأصنام ، والقول بأن المراد بمن لا يهدي إلا أن يهدى الملائكة والجن أو الرؤساء المضلون يخرجها عن صلاحية الانطباق على المورد.

وثالثها: أن الهداية إلى الحق بمعنى الإيصال إليه إنما هي شأن من يهتدي بنفسه أي لا واسطة بينه وبين الله سبحانه في أمر الهداية إما من بادىء أمره أو بعناية خاصة من الله سبحانه كالأنبياء والأوصياء من الأئمة ، وأما الهداية بمعنى إراءة الطريق ووصف السبيل فلا يختص به تعالى ولا بالأئمة من الأنبياء والأوصياء كما يحكيه الله تعالى عن مؤمن آل فرعون إذ يقول:"و قال الذي آمن يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد:"المؤمن: - 38 وقال:"إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا:"الإنسان: - 3.

وأما قوله تعالى خطابا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو إمام:"إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء:"القصص: - 56 وغيره من الآيات فهي مسوقة لبيان الإصالة والتبع كما في آيات التوفي وعلم الغيب ونحو ذلك مما سيقت لبيان أن الله سبحانه هو المالك لها بالذات والحقيقة ، وغيره يملكها بتمليك الله ملكا تبعيا أو عرضيا ، ويكون سببا لها بإذن الله ، قال تعالى:"و جعلناهم أئمة يهدون بأمرنا:"الأنبياء: - 73 وفي الأحاديث إشارة إلى ذلك وأن الهداية إلى الحق شأن النبي وأهل بيته (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد مر بعض الكلام في الهداية فيما تقدم.

وقوله في ذيل الآية:"فما لكم كيف تحكمون"استفهام للتعجيب استغرابا لحكمهم باتباع شركائهم مع حكم العقل الصريح بعدم جواز اتباع من لا يهتدي ولا يهدي إلى الحق.

قوله تعالى:"و ما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا"أغنى يغني يتعدى بمن وعن كلتيهما وقد جاء في الكلام الإلهي بكل من الوجهين فعدي بمن كما في الآية ، وبعن كما في قوله:"ما أغنى عني ماليه:"الحاقة: - 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت