و إن القرآن الكريم مفصل لما أجمله الكتب السماوية السابقة مهيمن عليها جميعا كما قال تعالى:"و أنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه:"المائدة: - 48 وقوله:"لا ريب فيه من رب العالمين"أي لا ريب فيه هو من رب العالمين ، والجملة الثانية كالتعليل للأولى.
قوله تعالى:"أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله"إلى آخر الآية ، أم منقطعة والمعنى بل يقولون افتراه ، والضمير للقرآن ، واتصاف السورة بكونها مثل القرآن شاهد على أن القرآن يصدق على الكثير منه والقليل.
والمعنى قل للذين يقولون افتراه: إن كنتم صادقين في دعواكم فأتوا بسورة مثل هذا القرآن المفترى وادعوا كل من استطعتم من دون الله مستمدين مستظهرين فإنه لو كان كلاما مفترى كان كلاما بشريا وجاز أن يؤتى بمثله وفي ذلك تحد ظاهر بسورة واحدة من سور القرآن طويلة كانت أو قصيرة.
ومن هنا يظهر أولا: أن التحدي ليس بسورة معينة فإنهم لم يرموا بالافتراء بعض القرآن دون بعض بل جميعه ، وهو يكلفهم أن يأتوا بسورة مثل ما يدعون أنه افتراه ، وإنما ادعوه لجميع القرآن دون بعضه.
ولا يصغي إلى قول من يقول: إن التنكير في"سورة"للتعظيم أو للتنويع والمراد سورة من السور يذكر فيها قصص الأنبياء وأخبار وعيد الدنيا والآخرة لأن الافتراء إنما يتهم به الإخبار دون الإنشاء.
أو يقول: المراد سورة طويلة مثل هذه السورة سورة يونس - في اشتمالها على أصول الدين والوعد والوعيد.
وذلك أن القرآن بجميع آياته منسوب إلى الله سبحانه ، ولا يختلف في ذلك ما يتضمن الإخبار وما يتضمن الإنشاء ، وما كانت سورة طويلة أو قصيرة حتى الآية الواحدة ، والرمي بالافتراء يصح أن يتعلق بالجميع لأنه تكذيب للنسبة المتعلقة بالجميع.
وثانيا: أن الآية لا تتحدى ببلاغة القرآن وفصاحته فحسب بل السياق في هذه الآية وفي سائر الآيات التي وردت مورد التحدي يشهد على أن التحدي إنما هو بما عليه القرآن من صفة الكمال ونعت الفضيلة من اشتماله على مخ المعارف الإلهية ، وجوامع الشرائع من الأحكام العبادية والقوانين المدنية السياسية والاقتصادية والقضائية ، والأخلاق الكريمة والآداب الحسنة ، وقصص الأنبياء والأمم الماضية ، والملاحم والأخبار الغيبية ، ووصف الملائكة والجن والسماء والأرض والحكمة والموعظة والوعد والوعيد ، وأخبار البدء والعود ، وقوة الحجة وجذالة البيان والنور والهداية من غير أن يختلف جزء منه عن جزء ، أضف إلى ذلك وقوعه في بلاغته وفصاحته موقعا يقصر عن البلوغ إليه أيدي البشر.
ولقد قصر الباحثون من علماء الصدر الأول ومن يتلونهم إذ قصروا إعجازه على بلاغته وفصاحته وكتبوا في ذلك كتبا وألفوا رسائل فصرفهم ذلك عن التدبر في حقائقه والتعمق في معارفه وأنهاهم إلى أن عدوا المعاني أمورا مطروحة في الطريق يستوي فيه البدوي والحضري والعامي والخاصي والجاهل والعالم ، وأن الفضل لنظم اللفظ على نظم المعنى ولا قيمة لما وراء ذلك.
وقد وصفه الله تعالى بكل وصف جميل دخيل في التحدي كوصفه بأنه نور ورحمة وهدى وحكمة وموعظة وبرهان وتبيان لكل شيء وتفصيل الكتاب وشفاء للمؤمنين وقول فصل وما هو بالهزل ، وأنه مواقع للنجوم ، وأنه لا اختلاف فيه ولم يصرح ببلاغته بعينها.
وأطلق القول بأنهم لا يأتون بمثله ولو دعوا من استطاعوا من دون الله ، ولو اجتمع على ذلك الجن والإنس وكان بعضهم لبعض ظهيرا ولم يقيد الكلام بالبلاغة والفصاحة.
وقد فصلنا القول في إعجاز القرآن في تفسير قوله:"و إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله:"البقرة: - 23 في الجزء الأول من الكتاب.
قوله تعالى:"بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله"إلى آخر الآية.
الآية تبين وجه الحقيقة في عدم إيمانهم به وقولهم إنه افتراء وهو أنهم كذبوا من القرآن بما لم يحيطوا بعلمه أو كذبوا بالقرآن الذي لم يحيطوا بعلمه ففيه معارف حقيقية من قبيل العلوم الواقعية لا يسعها علمهم ، ولم يأتهم تأويله بعد أي تأويل ذاك الذي كذبوا به حتى يضطرهم إلى تصديقه.