هذا ما يقتضيه السياق من المعنى فقوله:"و لما يأتهم تأويله"يشير إلى يوم القيامة كما يؤيده قوله تعالى:"هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل:"الأعراف - 53.
وهذا يؤيد ما قدمناه في تفسير قوله:"ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله:"آل عمران - 7 في الجزء الثالث من الكتاب أن المراد بالتأويل في عرف القرآن هو الحقيقة التي يعتمد عليها معنى من المعاني من حكم أو معرفة أو قصة أو غير ذلك من الحقائق الواقعية من غير أن يكون من قبيل المعنى ، وأن لجميع القرآن وما يتضمنه من معرفة أو حكم أو خبر أو غير ذلك تأويلا.
ويؤيد ذلك أيضا قوله بعد:"كذلك كذب الذين من قبلهم"فإن التشبيه يعطي أن المراد أن الذين من قبلهم من المشركين أيضا كذبوا بما دعاهم إليه أنبياؤهم لكونهم لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ، فلما جاء به سائر الأنبياء من أجزاء الدعوة الدينية من معارف وأحكام تأويل كما أن لمعارف القرآن وأحكامه تأويلا من غير أن يكون من قبيل المفاهيم ومعاني الألفاظ كما توهموه.
فمحصل المعنى أن هؤلاء المشركين الرامين للقرآن بأنه افتراء مثل المشركين والكفار من الأمم السابقة استقبلتهم من الدعوة الدينية بمعارفها وأحكامها أمور لم يحيطوا بها علما حتى يوقنوا بها ويصدقوا ، فحملهم الجهل على التكذيب بها ولما يأتهم اليوم الذي يظهر لهم فيه تأويلها وحقيقة أمرها ظهورا يضطرهم على الإيقان والتصديق بها وهو يوم القيامة الذي يكشف لهم فيه الغطاء عن وجه الحقائق بواقعيتها فهؤلاء كذبوا وظلموا كما كذب الذين من قبلهم وظلموا فانظر كيف كان عاقبة أولئك الظالمين حتى تحدس بما سيصيب هؤلاء.
هذا ما يعطيه دقيق البحث في معنى الآية ، وللمفسرين فيها أقوال شتى مختلفة مبنية على ما ذهبوا إليه من معنى التأويل لا جدوى في التعرض لها وقد استقصينا أقوالهم سابقا.
قوله تعالى:"و منهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين"قسمهم قسمين من يؤمن بالقرآن ومن لا يؤمن به ثم كنى عمن لا يؤمن به أنهم مفسدون فتحصل من ذلك أن الذين يكذبون بما في القرآن إنما كذبوا به لأنهم مفسدون.
فالآية لبيان حالهم الذي هم عليه من إيمان البعض وكفر البعض وأن الكفر ناش من رذيلة الإفساد.
وأما ما ذكره بعضهم في تفسير الآية: أن المراد أن قومك لن يكونوا كأولئك الظالمين من قبلهم الذين كذبوا رسلهم إلا قليلا منهم فكان عاقبتهم عذاب الاستئصال بل سيكون قومك قسمين قسم سيؤمن بهذا القرآن وقسم لا يؤمن به أبدا فهو معنى خارج عن مدلول الآية البتة.
قوله تعالى:"و إن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم"إلى آخر الآية ، تلقين للتبري على تقدير تكذيبهم له ، وهو من مراتب الانتصار للحق ممن انتهض لإحيائه فالطريق هو حمل الناس عليه إن حملوا وإلا فالتبري منهم لئلا يحملوه على باطلهم.
وقوله:"أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون"تفسير لقوله:"لي عملي ولكم عملكم".
قوله تعالى:"و منهم من يستمعون إليك أ فأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون"الاستفهام للإنكار ، وقوله:"و لو كانوا لا يعقلون"قرينة على أن المراد بنفي السمع نفي ما يقارنه من تعقل ما يدل عليه الكلام المسموع وهو المسمى بسمع القلب.
والمعنى: ومنهم الذين يستمعون إليك وهم صم لا سمع لقلوبهم ، ولست أنت قادرا على إسماعهم ولا سمع لهم.
قوله تعالى:"و منهم من ينظر إليك"إلى آخر الآية.
الكلام فيها نظير الكلام في سابقتها.
قوله تعالى:"إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون"مسوق للإشارة إلى أن ما ابتلي به هؤلاء المحرومون من السمع والبصر من جهة الصمم والعمى من آثار ظلمهم أنفسهم من غير أن يكون الله تعالى ظلمهم بسلب السمع والبصر عنهم فإنهم إنما أوتوا ما أوتوا من قبل أنفسهم.
قوله تعالى:"و يوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم""إلخ"ظاهر الآية أن يكون"يوم"ظرفا متعلقا بقوله:"قد خسر"إلخ ، وقوله:"كأن لم يلبثوا إلا ساعة"إلخ ، حالا من ضمير الجمع في"يحشرهم"وقوله:"يتعارفون بينهم"حالا ثانيا مبينا للحال الأول.