فهرس الكتاب

الصفحة 2037 من 4314

و منه يظهر أن قوله:"فإذا جاء رسولهم"فيه إيجاز بالحذف والإضمار والتقدير: فإذا جاء رسولهم إليهم وبلغ الرسالة فاختلف قومه بالتكذيب والتصديق ، ويدل على ذلك قوله:"قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون"فإن القضاء إنما يكون فيما اختلف فيه ، ولذا كان السؤال عن القسط وعدم الظلم في القضاء في مورد العذاب والضرار أسبق إلى الذهن.

وقد تقدم الفرق بين الرسول والنبي في مباحث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب ، وهذا القضاء المذكور في الآية من خواص الرسالة دون النبوة.

قوله تعالى:"و يقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين"سؤال منهم عن وقت هذا القضاء الموعود ، وهو القضاء بينهم في الدنيا ، والسائلون هم بعض المشركين من معاصري النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والدليل عليه أمره أن يجيبهم بقوله:"قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل"إلخ ، فقول بعضهم: إن السؤال عن عذاب يوم القيامة أو إن السائلين بعض المشركين من الأمم السابقة لا يلتفت إليه.

قوله تعالى:"قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل"إلى آخر الآية ، لما كان قولهم:"متى هذا الوعد إن كنتم صادقين"في معنى قولنا: أي وقت يفي ربك بما وعدك أو يأتي بما أوعدنا به أنه يقضي بيننا وبينك فيهلكنا وينجيك والمؤمنين بك فيصفو لكم الجو ويكون لكم الأرض وتخلصون من شرنا؟ فهلا عجل لكم ذلك وذلك - أن كلامهم مسوق سوق الاستعجال تعجيزا واستهزاء كما تدل على استعجالهم الآيات التالية وهذا نظير قولهم:"لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين:"الحجر: - 7.

لقن سبحانه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبدأهم في الجواب ببيان أنه لا يملك لنفسه ضرا حتى يدفعه عنها ولا نفعا حتى يجلبه إليها ويستعجل ذلك إلا ما شاء الله أن يملكه من ضر ونفع فالأمر إلى الله سبحانه جميعا ، واقتراحهم عليه بأن يعجل لهم القضاء والعذاب من الجهل.

ثم يجيب عن سؤالهم عن أصل تعيين الوقت جوابا إجماليا بالإعراض عن تعيين الوقت والإقبال على ذكر ضرورة الوقوع ، أما الأول فإنه من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ، وأمره الذي لا يتسلط عليه إلا هو ، وقد تقدم قوله في آيات السورة:"و يقولون لو لا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين:"الآية - 20 من السورة.

وأما الثاني أعني ذكر ضرورة الوقوع فقد بين ذلك بالإشارة إلى حقيقة هي من النواميس العامة الجارية في الكون تنحل بها العقدة وتندفع بها الشبهة ، وهي أن لكل أمة أجلا لا يتخطاهم ولا يتخطونه فهو آتيهم لا محالة ، وإذا أتاهم لم يخبط في وقوعه موقعه ولا ساعة ، وهو قوله تعالى:"لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون"أي وأنتم أمة من الأمم فلا محالة لكم أيضا أجل كمثلهم إذا جاءكم لا تستأخرون ساعة ولا تستقدمون.

فإذا فقهوا هذا الكلام وتدبروه بأن لهم أن لكل أمة حياة اجتماعية وراء الحياة الفردية التي لكل واحد من أفرادها ولحياتها من البقاء والعمر ما قضى به الله سبحانه لها ولها ، من السعادة والشقاوة والتكليف والرشد والغي والثواب والعقاب نصيبها ، وهي مما اعتنى بها التدبير الإلهي نظير الفرد من الإنسان حذو النعل بالنعل.

ويدلهم على ذلك ما يحدثهم به التاريخ ويفصح عنه الآثار من ديارهم الخربة ومساكنهم الخالية ، وقد قص عليهم القرآن أخبار بعضهم كقوم نوح ، وعاد قوم هود ، وثمود قوم صالح ، وكلدة قوم إبراهيم وأهل سدوم وسائر المؤتفكات قوم لوط والقبط قوم فرعون وغيرهم.

فهؤلاء أمم منقرضة سكنت أجراسهم وخمدت أنفاسهم ولم ينقرضوا إلا بعذاب وهلاك ، ولم يعذبوا إلا بعد ما جاءتهم رسلهم بالبينات ولم يأت قوما منهم رسوله إلا واختلفوا في الحق الذي جاءهم فمنهم من آمن به ومنهم من كذب به وهم الأكثرون.

فهذا يدلهم على أن هذه الأمة - وقد اختلفوا في الحق لما جاءهم - سيقضي الله بين رسوله وبينهم فيأخذهم بما أخذ به من خلت من قبلهم من الأمم وإن الله لبالمرصاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت