فهرس الكتاب

الصفحة 2038 من 4314

و على الباحث المتدبر أن يتنبه لأن الله سبحانه وإن بدأ في وعيده بالمشركين غير أنه هدد في أثناء كلامه المجرمين فتعلق الوعيد بهم ، ومن أهل القبلة مجرمون كغيرهم فلينتظروا عذابا واصبا يفصل به الله بينهم وبين نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولينسوا ما يلقيه الشيطان في روعهم أن أمتهم هذه أمة مرحومة رفع الله عنهم عذاب الدنيا إكراما منه لنبيهم نبي الرحمة فهم في أمن من عذاب الله وإن انهمكوا في كل إثم وخطيئة وهتكوا كل حجاب مع أنه لا كرامة عند الله إلا بالتقوى وقد خاطب المؤمنين من هذه الأمة بمثل قوله:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به:"النساء: - 123.

وربما تعدى المتعدي فعطف عذاب الآخرة على عذاب الدنيا فذكر أن الأمة مغفور لهم محسنهم ومسيئهم فلا يبقى لهم في الدنيا إلا كرامة أن لهم أن يفعلوا ما شاءوا فقد أسدل الله عليهم حجاب الأمن ولا في الآخرة إلا المغفرة والجنة.

ولا يبقى على هذا للملة والشريعة إلا أنها تكاليف وأحكام جزافية لعب بها رب العالمين ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون تعالى عما يقولون علوا كبيرا.

فهذا كله من الإعراض عن ذكر الله وهجر كتابه ، وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا.

قوله تعالى:"قل أ رأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ما ذا يستعجل منه المجرمون"إلى آخر الآيتين ، البيات والتبييت الإتيان ليلا ويغلب في الشر كقصد العدو عدوه ليلا.

ولما كان قولهم:"متى هذا الوعد إن كنتم صادقين"في معنى استعجال آية العذاب التي يلجئهم إلى الإيمان رجع بعد بيان تحقق الوقوع إلى توبيخهم وذمهم من الجهتين فوبخهم أولا على استعجالهم بالعذاب ، وهو عذاب فجائي من الحزم أن يكون الإنسان منه على حذر لا أن يستعجل فيه فقال تعالى ملقنا لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) :"قل أ رأيتم"وأخبروني"إن أتاكم عذابه بياتا"ليلا"أو نهارا"فإنه عذاب لا يأتيكم إلا بغتة إذ لستم تعلمون وقت نزوله"ما ذا يستعجل منه"من العذاب"المجرمون"أي ما ذا تستعجلون منه وأنتم مجرمون لا يتخطاكم إذا أتاكم.

ففي قوله:"ما ذا يستعجل منه المجرمون"التفات من الخطاب إلى الغيبة وكان النكتة فيه رعاية حالهم أن لا يشافهوا بصريح الشر وليكون تعرضا لملاك نزول العذاب عليهم وهو إجرامهم.

ووبخهم ثانيا على تأخير إيمانهم إلى حين لا ينفعهم الإيمان فيه وهو حين نزول العذاب فإن آية العذاب يلجئهم إلى الإيمان قطعا على ما هو المجرب من إيمان الإنسان عند إشراف الهلكة ، ومن جهة أخرى الإيمان توبة والتوبة غير مقبولة عند ظهور آية العذاب والإشراف على الموت.

فقال تعالى:"أ ثم إذا ما وقع"العذاب"آمنتم به"أي بالقرآن أو بالدين أو بالله"الآن"أي أ تؤمنون به في هذا الآن والوقت"و قد كنتم به تستعجلون"وكان معنى استعجالهم عدم الاعتناء بشأن هذا العذاب وتحقيره بالاستهزاء به.

قوله تعالى:"ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون"الأشبه أن تكون الآية متصلة بقوله تعالى:"لكل أمة أجل"إلخ ، فتكون الآية الأولى تبين تحقق وقوع العذاب عليهم وإهلاكه إياهم ، والآية الثانية تبين أنه يقال لهم بعد الوقوع والهلاك: ذوقوا عذاب الخلد وهو عذاب الآخرة ولا تجزون إلا أعمالكم التي كنتم تكسبونها وذنوبكم التي تحملونها والخطاب تكويني كني به عن شمول العذاب لهم ونيله إياهم ، وعلى هذا المعنى فالآيتان:"قل أ رأيتم - إلى قوله - تستعجلون"واردتان مورد الاعتراض.

قوله تعالى:"و يستنبؤنك أ حق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين"إلى آخر الآية - يستنبؤنك - أي يستخبرونك وقوله:"أ حق هو"بيان له ، والضمير على ما يفيده السياق راجع إلى القضاء أو العذاب ، والمآل واحد ، وقد أمر سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يؤكد القول في إثباته من جميع جهاته ، وبعبارة أخرى أن يجيبهم بوجود المقتضي وعدم المانع.

فقوله:"قل إي وربي إنه لحق"إثبات لتحققه وقد أكد الكلام بالقسم والجملة الاسمية وإن واللام ، وقوله:"و ما أنتم بمعجزين"بيان أنه لا مانع هناك يمنع من حلول العذاب بكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت