فهرس الكتاب

الصفحة 2039 من 4314

قوله تعالى:"و لو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به"إلى آخر الآية ، إشارة إلى شدة العذاب وأهمية التخلص منه عندهم ، وإسرار الندامة إخفاؤها وكتمانها خشية الشماتة ونحوها ، والظاهر أن المراد بالقضاء والعذاب في الآية هو القضاء والعذاب الدنيويان لا غير.

قوله تعالى:"ألا إن لله ما في السموات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون"الآية وما بعدها بيان برهاني على حقية ما ذكره من كونه حقا واقعا لا يمنع عنه مانع فإن كل شيء مما في السماوات والأرض إذا كان مملوكا لله وحده لا شريك له كان كل تصرف مفروض فيها إليه تعالى ، ولم يكن لغيره شيء من التصرف إلا بإذنه فإذا تصرف في شيء كان مستندا إلى إرادته فقط من غير أن يستند إلى مقتض آخر خارج يتصرف في ذاته المقدسة فيحمله على الفعل ، أو يتقيد بعدم مانع خارجي إذا وجد تصرف فيه سبحانه بمنعه عن الفعل ، فهو تعالى يفعل ما يفعل عن نفسه من غير أن يرتبط إلى مقتض من خارج أو مانع من خارج فإذا أراد سبحانه شيئا فعله من غير ممد أو عائق ، وإذا وعد وعدا كان حقا لا مرد له من غير أن يتغير عن وعده بصارف.

فإمعان النظر في ملكه تعالى المطلق الحقيقي يهدي إلى العلم بأن وعده حق لا يمازجه باطل ولكن أكثرهم وهم العامة من الناس لا يعلمون لعجزهم عن الإمعان في هذه الأبحاث الحقيقية أو إعجابهم بسذاجة الفهم وانسلاكهم في سلك العامة.

فهم على ذلك يقيسون ملكه تعالى إلى ملك العظماء المستعلين من الإنسان فإنهم يجدون الواحد من عظمائهم وقد أوتي ملكا وسلطانا ومن كل ما يتنافس فيه فيرون له القدرة المطلقة يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ثم يجدونه ربما يهم ويسعى ولا يقع ما اهتم به أو وعد وعدا ثم لم يف به رعاية لمصلحة شخصه أو غيره أو لمانع عائق فيقيسون أمره تعالى إلى أمره ، ووعده إلى وعده.

على أن الوعد عندهم قول من شأنه جواز أن ينطبق على الخارج وأن لا ينطبق.

مع أن حقيقة معنى ملكه وسلطانه وسعة قدرته ونفوذ إرادته أن الناس يعتقدون له ذلك ويتصورونه عظيما فيهم ولو طحنته نازلات الدهر يوما فأهلكته أو تغيرت عليه عقائد الناس بسبب من الأسباب سلبته ما عنده من ملك وقدرة ، ومعنى وقوع ما أراده أو أحبه أن الأسباب الكونية ساعدته على ذلك ووافقته على ما أحبه ، ولو لم تساعده ولم توافقه كلية الأسباب لم يكن له أن يضطرها إلى الخضوع لما يتوهم لنفسه من القدرة كما لا توافقه على مثل الموت والحياة والشباب والشيب والصحة والمرض وأمور أخرى كثيرة فليس له من الأمر شيء.

لكنه سبحانه مالك لخلقه بمعنى أن وجود كل شيء قائم به متكون متحول بأمره منوط بإذنه ، وما تصرف فيه من شيء فإنما يتصرف عن نفسه لا عن اقتضاء من مقتض خارج مؤثر فيه أو عدم مانع يعوقه عن فعله فلا ينتسب شيء إلا إليه تعالى نفسه أو إلى غيره بإذنه بمقدار ما أذن فكيف يمكن أن يتخلف عن مشيته شيء فيرجع إلى غيره ولا غير هناك يرجع نحوه وينتسب إليه؟.

وقوله تعالى فعله بما يدل بنفسه على مراده فكيف يتسرب إليه الكذب وهو متن الخارج ، والعين الخارجي لا كذب فيه؟ وإنما الكذب والخطأ شأن المفاهيم الذهنية من حيث انطباقها على الخارج ، وكيف يكون وعده باطلا ووعده لنا هو فعله الغائب عن نظرنا المستقبل لنا ، وقد وجه كلية الأسباب إليه ولا مرد له؟.

فإمعان النظر في هذه الحقائق ينور للباحث المتدبر معنى ملكه تعالى لما في السماوات والأرض ، وأن لازم ذلك أن وعد الله حق ، وأن الارتياب فيه إنما هو من الجهل بمقامه تعالى.

ولذلك قال تعالى أولا:"ألا إن لله ما في السماوات والأرض"ثم عقبه بقوله كالاستنتاج منه:"ألا إن وعد الله حق"ثم استدرك فقال:"و لكن أكثرهم لا يعلمون"ثم بين ملكه بقوله:"هو يحيي ويميت"إلخ في الآية التالية.

قوله تعالى:"هو يحيي ويميت وإليه ترجعون"احتجاج على ما تقدم في الآية السابقة من ملكه تعالى بالنسبة إلى نوع الإنسان كأنه تعالى يقول: إن أمركم جميعا من حياة وموت ورجوع إليه تعالى فكيف لا تكونون ملكا له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت