و برجوع ذيل الآية إلى صدرها يكون الافتراء على الله من مصاديق كفران نعمته ، والمعنى أن الله ذو فضل وعطاء على الناس ولكن أكثرهم كافرون لنعمته وفضله فما ظن الذين يكفرون بنعمة الله ورزقه بتحريمه افتراء على الله الكذب يوم القيامة.
قوله تعالى:"و ما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا"إلى آخر الآية ، قال الراغب: الشأن الحال والأمر الذي يتفق ويصلح ، ولا يقال إلا فيما يعظم من الأحوال والأمور قال:"كل يوم هو في شأن"انتهى.
وقوله:"و ما تتلوا منه من قرآن"الظاهر أن الضمير إلى الله سبحان ومن الأولى للابتداء والنشوء والثانية للبيان ، والمعنى ولا تتلو شيئا هو القرآن ناشئا ونازلا من قبله تعالى ، والإفاضة في الفعل الخوض فيه جمعا.
وقد وقع في قوله:"إلا كنا عليكم شهودا"التفات من الغيبة إلى التكلم مع الغير ، والنكتة فيه الإشارة إلى كثرة الشهود فإن لله شهودا على أعمال الناس من الملائكة والناس والله من ورائهم محيط ، والعظماء يتكلمون عنهم وعن غيرهم للدلالة على أن لهم أعوانا وخدمة.
وليس ينبغي أن يغفل عن أن أصل الالتفات يبدأ من أول الآية فإن الآيات السابقة كانت تخاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتأخذ المشركين على الغيبة وتكلمهم بوساطته من غير أن تواجهه بشيء من الخطاب يخص نفسه ، وقد حولت هذه الآية وجه الكلام إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما يخص به نفسه فقالت:"و ما تكون من شأن وما تتلوا منه من قرآن"ثم جمعته والمشركين وغيرهم جميعا في خطاب واحد فقالت:"و لا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا"وذلك بضمهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم على غيبتهم وبسط الخطاب على الجميع بنوع من التغليب كما تقول لمخاطبك أنت وقومك تفعلون كذا وكذا.
والدليل على أن هذا الخطاب بنحو الضم والتغليب قوله بعده:"و ما يعزب عن ربك"إلخ ، فإنه يكشف عن كون الخطاب معه (صلى الله عليه وآله وسلم) جاريا على ما كان.
وعلى أي حال فالتحول المذكور في خطاب الآية للإشارة إلى أن السلطنة والإحاطة التامة الإلهية واقعة على الأعمال شهادة وعلما على أتم ما يكون من كل جهة من غير أن يستثني منه نبي ولا مؤمن ولا مشرك أو يغفل عن عمل من الأعمال فلا يتوهمن أحد أن الله يخفى عليه شيء من أمره فلا يحاسبه عليه يوم القيامة ، وليكن هذا هو ظنه بربه يوم القيامة وليأخذ حذره.
وذكر تلاوة القرآن مستقلا مع دخوله في قوله قبلا:"و ما تكون في شأن"فإن أحد شئونه (صلى الله عليه وآله وسلم) للإيماء إلى أهمية أمرها ومزيد العناية بها.
وفي الآية أولا تشديد في العظة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى أمته وثانيا: أن الذي يتلوه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من القرآن للناس من وحي الله وكلامه لا يطرقه تغيير ولا يدب فيه باطل لا في تلقيه من الله ولا في تلاوته للناس فالآية قريبة المضمون من قوله:"عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم:"الجن: - 28.
وقوله:"و ما يعزب عن ربك من مثقال ذرة"إلى آخر الآية.
العزوب الغيبة والتباعد والخفاء ، وفيه إشارة إلى حضور الأشياء عنده تعالى من غير غيبة وحفظه لها في كتاب من غير زوال ، وقد تقدم بعض ما يتعلق به من الكلام في ذيل قوله:"و عنده مفاتح الغيب:"الأنعام: - 59 في الجزء السابع من الكتاب.
قوله تعالى:"ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"استئناف في الكلام غير أنه متعلق بغرض السورة وهو الدعوة إلى الإيمان بكتاب الله والندب إلى توحيد الله تعالى بمعناه الوسيع.
وللدلالة على أهمية المطلب افتتح بلفظة"ألا"التنبيهية ، والله سبحانه يذكر في هذه الآية والآيتين بعدها أولياءه ويعرفهم ويصف آثار ولايتهم وما يختصون به من الخصيصة.