و الولاية وإن ذكروا لها معاني كثيرة لكن الأصل في معناها ارتفاع الواسطة الحائلة بين الشيئين بحيث لا يكون بينهما ما ليس منهما ، ثم استعيرت لقرب الشيء من الشيء بوجه من وجوه القرب كالقرب نسبا أو مكانا أو منزلة أو بصداقة أو غير ذلك ولذلك يطلق الولي على كل من طرفي الولاية ، وخاصة بالنظر إلى أن كلا منهما يلي من الآخر ما لا يليه غيره فالله سبحانه ولي عبده المؤمن لأنه يلي أمره ويدبر شأنه فيهديه إلى صراطه المستقيم ويأمره وينهاه فيما ينبغي له أو لا ينبغي وينصره في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
والمؤمن حقا ولي ربه لأنه يلي منه إطاعته في أمره ونهيه ويلي منه عامة البركات المعنوية من هداية وتوفيق وتأييد وتسديد وما يعقبها من الإكرام بالجنة والرضوان.
فأولياء الله - على أي حال - هم المؤمنون فإن الله يعد نفسه وليا لهم في حياتهم المعنوية حيث يقول:"و الله ولي المؤمنين:"آل عمران: - 68.
غير أن الآية التالية لهذه الآية المفسرة للكلمة تأبى أن تكون الولاية شاملة لجميع المؤمنين وفيهم أمثال الذين يقول الله سبحانه فيهم:"و ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون:"يوسف: - 106 فإن قوله في الآية التالية:"الذين آمنوا وكانوا يتقون"يعرفهم بالإيمان والتقوى مع الدلالة على كونهم على تقوى مستمر سابق على إيمانهم من حيث الزمان حيث قيل:"آمنوا"ثم قيل عطفا عليه:"و كانوا يتقون"فدل على أنهم كانوا يستمرون على التقوى قبل تحقق هذا الإيمان منهم ومن المعلوم أن الإيمان الابتدائي غير مسبوق بالتقوى بل هما متقاربان أو هو قبل التقوى وخاصة التقوى المستمر.
فالمراد بهذه الإيمان مرتبة أخرى من مراتب الإيمان غير المرتبة الأولى منه.
فقد تقدم في الجزء الأول من الكتاب آية 130 من البقرة أن لكل من الإيمان والإسلام وكذا الشرك والكفر مراتب مختلفة بعضها فوق بعض فالمرتبة الأولى من الإسلام إجراء الشهادتين لسانا والتسليم ظاهرا ، وتليه المرتبة الأولى من الإيمان وهو الإذعان بمؤدى الشهادتين قلبا إجمالا وإن لم يسر إلى جميع ما يعتقد في الدين من الاعتقاد الحق ، ولذا كان من الجائز أن يجتمع مع الشرك من بعض الجهات ، قال تعالى:"و ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون:"يوسف: - 106.
ولا يزال إسلام العبد يصفو وينمو حتى يستوعب تسليمه لله سبحانه في كل ما يرجع إليه وإليه مصير كل أمر ، وكلما ارتفع الإسلام درجة ورقي مرتبة كان الإيمان المناسب له الإذعان بلوازم تلك المرتبة حتى يسلم العبد لربه حقيقة معنى ألوهيته وينقطع عنه السخط والاعتراض فلا يسخط لشيء من أمره من قضاء وقدر وحكم ، ولا يعترض على شيء من إرادته ، وبإزاء ذلك الإيمان باليقين بالله وجميع ما يرجع إليه من أمر ، وهو الإيمان الكامل الذي تتم به للعبد عبوديته.
قال تعالى:"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما:"النساء: - 65 ، والأشبه أن تكون هذه المرتبة من الإيمان أو ما يقرب منه هو المراد بالآية أعني قوله:"الذين آمنوا وكانوا يتقون"فإنه الإيمان المسبوق بتقوى مستمر دون الإيمان بمرتبته الأولى كما تقدم.
على أن توصيفه أهل هذا الإيمان بأنهم"لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"يدل على أن المراد منه الدرجة العالية من الإيمان الذي يتم معه معنى العبودية والمملوكية المحضة للعبد الذي يرى معه أن الملك لله وحده لا شريك له ، وأن ليس إليه من الأمر شيء حتى يخاف فوته أو يحزن لفقده.
وذلك أن الخوف إنما يعرض للنفس عن توقع ضرر يعود إليها ، والحزن إنما يطرأ عليها لفقد ما تحبه أو تحقق ما تكرهه مما يعود إليها نفعه أو ضرره ، ولا يستقيم تحقق ذلك إلا فيما يرى الإنسان لنفسه ملكا أو حقا متعلقا بما يخاف عليه أو يحزن لفقده من ولد أو مال أو جاه أو غير ذلك.
وأما ما لا علقة للإنسان به بوجه من الوجوه أصلا فلا يخاف الإنسان عليه ولا يحزن لفقده البتة.