فهرس الكتاب

الصفحة 2047 من 4314

و الذي يرى كل شيء ملكا طلقا لله سبحانه لا يشاركه في ملكه أحد لا يرى لنفسه ملكا أو حقا بالنسبة إلى شيء حتى يخاف في أمره أو يحزن ، وهذا هو الذي يصفه الله من أوليائه إذ يقول:"ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"فهؤلاء لا يخافون شيئا ولا يحزنون لشيء لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا أن يشاء الله وقد شاء أن يخافوا من ربهم وأن يحزنوا لما فاتهم من كرامته إن فاتهم وهذا كله من التسليم لله فافهم ذلك.

فإطلاق الآية يفيد اتصافهم بهذين الوصفين: عدم الخوف وعدم الحزن في النشأتين الدنيا والآخرة ، وأما مثل قوله تعالى:"إلا المتقين يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين:"الزخرف: - 70 فإن ظاهر الآيات وإن كان هو أنها تريد الأولياء بالمعنى الذي تصفه الآية التي نحن فيها إلا أن إثبات عدم الخوف والحزن لهم يوم القيامة لا ينفي ذلك عنهم في غيره.

نعم هناك فرق من جهة أخرى وهو خلوص النعمة والكرامة وبلوغ صفائها يوم القيامة وكونها مشوبة غير خالصة في غيره.

ونظيرها قوله تعالى:"إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة:"فصلت: - 31 فإن الآيات وإن كانت ظاهرة في كون هذا التنزل والقول والبشارة يوم الموت لمكان قوله:"كنتم توعدون"وقوله:"أبشروا"غير أن الإثبات في وقت لا يكفي للنفي في وقت آخر كما عرفت.

هذا ما يدل عليه الآية بحسب إطلاق لفظها وتأييد سائر الآيات لها ، وقد قيد أكثر المفسرين قوله:"لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"- بالاستناد إلى آيات الآخرة - بيوم الموت والقيامة ، وأهملوا ما تفيده خصوصية اللفظ في قوله:"الذين آمنوا وكانوا يتقون"وأخذوا الإيمان والتقوى أمرين متقارنين فرجع المعنى إلى أن أولياء الله هم المتقون من أهل الإيمان ولا خوف عليهم في الآخرة ولا هم يحزنون وهذا - كما عرفت - من التقييد من غير مقيد.

وعمم بعضهم نفي الخوف والحزن فذكر أنهم متصفون به في الدنيا والآخرة غير أنه أفسد المعنى من جهة أخرى فقال: إن المراد بالأولياء على ما تفسرهم به الآية الثانية جميع المتقين من المؤمنين ، والمراد بعدم خوفهم وحزنهم أنهم لا يخافون في الآخرة مما يخاف منه الكافرون والفاسقون والظالمون من أهوال الموقف وعذاب الموقف وعذاب الآخرة ولا هم يحزنون على ما تركوا وراءهم وأنهم لا يخافون في الدنيا كخوف الكفار ولا يحزنون كحزنهم.

قال: وأما أصل الخوف والحزن فهو من الأعراض البشرية التي لا يسلم منها أحد في الدنيا ، وإنما يكون المؤمنون الصالحون أصبر الناس وأرضاهم بسنن الله اعتقادا وعلما بأنه إذا ابتلاهم بشيء مما يخيف أو يحزن فإنما يربيهم بذلك لتكميل نفوسهم وتمحيصها بالجهاد في سبيله الذي يزداد به أجرهم كما صرحت بذلك الآيات الكثيرة.

انتهى.

أما تقييده الآية بأن المنفي عن الأولياء هو الخوف والحزن اللذين يعرضان للكفار دون ما يعرض لعامة المؤمنين بحسب الطبع البشري واستناده في ذلك إلى الآيات الكثيرة فهو من التقييد من غير مقيد ، وأما قوله إن أصل الخوف والحزن مما لا يسلم منه أحد أصلا فهو من عدم تحصيل المراد بالكلام لعدم تعمقه في البحث عن الأخلاق العالية والمقامات المعنوية الإنسانية فحمله ذلك على أن يقيس حال المكرمين من عباد الله المقربين من الأنبياء والأولياء إلى ما يجده من حال المتوسطين من عامة الناس فزعم أن ما يغشى العامة من الأعراض التي سماها أحوالا طبيعية يغشى الخاصة لا محالة ، وأن ما يتعذر أو يتعسر على المتوسطين من الأحوال فهو كذلك عند الكاملين ، ولا يبقى حينئذ للمقامات المعنوية والدرجات الحقيقية إلا أنها أسماء ليس وراءها حقيقة ، واعتبارات وضعية اصطلح عليها نظير المقامات الوهمية والدرجات الرسمية الاجتماعية التي نتداولها في مجتمعاتنا لمصلحة الاجتماع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت