فلا وفى حق البحث العلمي حتى يهديه إلى حق النتيجة فيتبين أن التوحيد الكامل يقصر حقيقة الملك في الله سبحانه فلا يبقى لغيره شيء من الاستقلال في التأثير حتى يتعلق به لنفسه حب أو بغض أو خوف أو حزن ولا فرح ولا أسى ولا غير ذلك ، وإنما يخاف هذا الذي غشيه التوحيد ويحزن أو يحب أو يكره بالله سبحانه ، ويرتفع التناقض حينئذ بين قولنا: إنه لا يخاف شيئا إلا الله وبين قولنا: إنه يخاف كثيرا مما يضره ويحذر أمورا يكرهها فافهم ذلك.
ولا البحث القرآني أتقن واستفرغ فيه الوسع حتى يظهر له أن قوله تعالى:"ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"أطلق فيه نفي الخوف والحزن من غير تقييد بشيء أو حال إلا ما صرح به آيات من وجوب مخافة الله فهؤلاء لا يخافون من شيء في دنيا ولا آخرة إلا من الله سبحانه ولا يحزنون.
وأما الآيات الكثيرة التي تصف المؤمنين بعدم الخوف والحزن عند الموت أو يوم القيامة فهي إنما تصف أحوالهم في ظرف ولا يستوجب نفي شيء أو إثباته في مورد خلافه في غيره وهو ظاهر.
والآية مع ذلك تدل على أن هذا الوصف إنما هو لطائفة خاصة من المؤمنين يمتازون عن غيرهم بمرتبة خاصة من الإيمان تخصهم دون غيرهم من عامة المؤمنين وذلك بما يفسرها من قوله:"الذين آمنوا وكانوا يتقون"بما تقدم من تقرير دلالته.
وبالجملة ارتفاع الخوف من غير الله والحزن عن الأولياء ليس معناه أن الخير والشر والنفع والضرر والنجاة والهلاك والراحة والعناء واللذة والألم والنعمة والبلاء متساوية عندهم ومتشابهة في إدراكهم فإن العقل الإنساني بل الشعور العام الحيواني لا يقبل ذلك.
بل معناه أنهم لا يرون لغيره تعالى استقلالا في التأثير أصلا ، ويقصرون الملك والحكم فيه تعالى فلا يخافون إلا إياه أو ما يحب الله ويريد أن يحذروا منه أو يحزنوا عليه.
قوله تعالى:"لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم"يبشرهم الله تعالى بشارة إجمالية بما تقر به أعينهم فإن كان قوله:"لهم البشرى"إنشاء للبشارة كان معناه وقوع ما بشر به في الدنيا وفي الآخرة كلتيهما ، وإن كان إخبارا بأن الله سيبشرهم بشرى كانت البشارة واقعة في الدنيا وفي الآخرة ، وأما المبشر به فهل يقع في الآخرة فقط أو في الدنيا والآخرة معا؟ الآية ساكتة عن ذلك.
وقد وقع في كلامه تعالى بشارات للمؤمنين بما ينطبق على أوليائه تعالى كقوله تعالى:"و كان حقا علينا نصر المؤمنين:"الروم: - 47 وقوله:"إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد:"المؤمن: - 51 وقوله:"بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار:"الحديد: - 12 إلى غير ذلك.
وقوله:"لا تبديل لكلمات الله"إشارة إلى أن ذلك من القضاء المحتوم الذي لا سبيل للتبدل إليه ، وفيه تطييب لنفوسهم.
قوله تعالى:"و لا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم"تأديب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتعزيته وتسليته فيما كانوا يؤذونه به بالوقوع في ربه والطعن في دينه والاعتزاز بشركائهم وآلهتهم كما يشعر به القول في الآية التالية فكاد يحزن لله فسلاه الله وطيب نفسه بتذكيره ما يسكن وجده وهو أن العزة لله وأنه سميع لمقالهم عليهم بحاله وحالهم وإذ كان له تعالى كل العزة فلا يعبأ بما اعتزوا به من العزة الوهمية فهذوا ما هذوا ، وإذ كان سميعا عليما فلو شاء لأخذهم بالنكال وإذ كان لا يأخذهم فإنما في ذلك مصلحة الدعوة وخير العاقبة.
ومن هنا يظهر أن كلا من قوله:"إن العزة لله"وقوله:"هو السميع العليم"علة مستقلة للنهي ولذا جيء بالفصل من غير عطف.
قوله تعالى:"ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض"إلى آخر الآية فيه بيان مالكيته تعالى لكل من في السماوات والأرض التي بها يتم للإله معنى الربوبية فإن الرب هو المالك المدبر لأمر مملوكه ، وهذا الملك لله وحده لا شريك له فما يدعون له من الشركاء ليس لهم من معنى الشركة إلا ما في ظن الداعين وفي خرصهم من المفهوم الذي لا مصداق له.
فالآية تقيس شركاءهم إليه تعالى وتحكم أن نسبتهم إليه تعالى نسبة الظن والخرص إلى الحقيقة والحق ، والباقي ظاهر.