فهرس الكتاب

الصفحة 2049 من 4314

و قد قيل:"من في السماوات ومن في الأرض"ولم يقل: ما في السماوات وما في الأرض لأن الكلام في ربوبية العباد من ذوي الشعور والعقل وهم الملائكة والثقلان.

قوله تعالى:"هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا"الآية.

الآية تتمم البيان الذي أورد في الآية السابقة لإثبات ربوبيته تعالى والربوبية - كما تعلم - هي الملك والتدبير ، وقد ذكر ملكه تعالى في الآية السابقة ، فبذكر تدبير من تدابيره العامة في هذه الآية تصلح به عامة معيشة الناس وتستبقي به حياتهم يتم له معنى الربوبية.

وللإشارة إلى هذا التدبير ذكر مع الليل سكنهم فيه ، ومع النهار إبصارهم فيه الباعث لهم إلى أنواع الحركات والتنقلات لكسب مواد الحياة وإصلاح شئون المعاش فليس يتم أمر الحياة الإنسانية بالحركة فقط أو بالسكون فقط فدبر الله سبحانه الأمر في ذلك بظلمة الليل الداعية إلى تجديد تجهيز القوى بعد ما لحقها من العي والتعب والنصب وإلى الارتياح والأنس بالأهل والتمتع مما جمع واكتسب بالنهار والفراغ للعبودية ، وبضوء النهار الباعث إلى الرؤية فالاشتياق فالطلب.

قوله تعالى:"قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الأرض"إلى آخر الآية الاستيلاد بمعناه المعروف عند الناس هو أن يفصل الموجود الحي بعض أجزاء مادته فيربيه بالحمل أو البيض تربية تدريجية حتى يتكون فردا مثله ، والإنسان من بينها خاصة ربما يطلب الولد ليكون عونا له على نوائب الدهر وذخرا ليوم الفاقة ، وهذا المعنى بجميع جهاته محال عليه تعالى فهو عز اسمه منزه عن الأجزاء متعال عن التدريج في فعله بريء عن المثل والشبه مستغن عن غيره بذاته.

وقد نفى القرآن الولد عنه بالاحتجاج عليه من كل من الجهات المذكورة كما تعرض لنفيه من جميعها في قوله:"و قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون:"البقرة: - 117 وقد مرت الإشارة إلى ذلك في تفسير الآيات في الجزء الأول من الكتاب.

وأما الآية التي نحن فيها فهي مسوقة للاحتجاج على نفي الولد من الجهة الأخيرة فحسب وهو أن الغرض من وجوده الاستعانة به عند الحاجة وذلك إنما يتصور فيمن كان بحسب طبعه محتاجا فقيرا ، والله سبحانه هو الغني الذي لا يخالطه فقر فإنه المالك لما فرض في السماوات والأرض من شيء.

وقوله:"إن عندكم من سلطان أي برهان"بهذا"إثبات لكونهم إنما قالوه جهلا من غير دليل فيكون محصل المعنى أنه لا دليل لكم على ما قلتموه بل الدليل على خلافه وهو أنه تعالى غني على الإطلاق ، والولد إنما يطلبه من به فاقة وحاجة ، والكلام على ما اصطلح عليه في فن المناظرة من قبيل المنع مع السند."

وقوله:"أ تقولون على الله ما لا تعلمون"توبيخ لهم في قولهم ما ليس لهم به علم ، وهو مما يستقبحه العقل الإنساني ولا سيما في ما يرجع إلى رب العالمين عز اسمه.

قوله تعالى:"قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون"تخويف وإنذار بشؤم العاقبة ، وفي الآيتين من لطيف الالتفات ما هو ظاهر فقد حكى الله أولا عنهم من طريق الغيبة قولهم:"اتخذ الله ولدا"ثم خاطبهم خطاب الساخط الغضبان مما نسبوا إليه وافتروا عليه فقال:"إن عندكم من سلطان بهذا أ تقولون على الله ما لا تعلمون"وإنما خاطبهم متنكرا من غير أن يعرفهم نفسه حيث قال:"على الله"ولم يقل: علي أو علينا صونا لعظمة مقامه أن يخالطهم معروفا ثم أعرض عنهم تنزها عن ساحة جهلهم ورجع إلى خطاب رسوله قائلا:"قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون"لأنه إنذار والإنذار شأنه.

قوله تعالى:"متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون"خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه بيان وجه عدم فلاحهم بأنه كفر بالله ليس بحذائه إلا متاع قليل في الدنيا ثم الرجوع إلى الله والعذاب الشديد الذي يذوقونه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت