فهرس الكتاب

الصفحة 2064 من 4314

فيئول معنى الكلام إلى أن هذه معارف بينها الله لك بحجج تضطر العقول إلى قبولها وقصص تحكي سنة الله في خلقه والآثار تدل عليها ، بينها في كتاب لا ريب فيه ، فعلى ما بينه حجة وهناك حجة أخرى وهي أن أهل الكتب السماوية الموفين لها حق قراءتها يجدون ذلك فيما يقرءونه من الكتاب فهناك مبدأ ومعاد ، وهناك دين إلهي بعث به رسله يدعون إليه ، ولم يدعوا أمة من الأمم إلا انقسموا قبيلين مؤمن ومكذب فأنزل الله آية فاصلة بين الحق والباطل وقضى بينهم.

وهذا أمر لا يسع أهل الكتاب أن ينكروه ، وإنما كانوا ينكرون بشارات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعض ما يختص به الإسلام من المعارف وما غيروه في الكتب من الجزئيات ، ومن لطيف الإشارة أن الله سبحانه لم يذكر في القصص المذكورة في هذه السورة قصة هود وصالح لعدم تعرض التوراة الموجودة عندهم لقصتهما وكذا قصة شعيب وقصة المسيح لعدم توافق أهل الكتاب عليها وليس إلا لمكان أن يستشهد في هذه الآية بما لا يمتنعون من تصديقه.

فهذه الآية في إلقاء الحجة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وزانها وزان قوله تعالى:"أ ولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل:"الشعراء: - 197 في إلقاء الحجة إلى الناس.

على أن السورة من أوائل السور النازلة بمكة ، ولم تشتد الخصومة يومئذ بين المسلمين وأهل الكتاب وخاصة اليهود اشتدادها بالمدينة ، ولم يركبوا بعد من العناد واللجاج ذاك المركب الصعب الذي ركبوه بعد هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ونشوب الحروب بينهم وبين المسلمين حتى بلغوا المبلغ الذي قالوا:"ما أنزل الله على بشر من شيء:"الأنعام: - 91.

فهذا ما يعطيه سياق الآية من المعنى ، وأظنك إن أمعنت في تدبر الآية وسائر الآيات التي تناسبها مما يخاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بحقية ما نزل إليه من ربه ، ويتحدى على البشر بعجزهم عن إتيان مثله ، وما يصف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه على بصيرة من أمره ، وأنه على بينه من ربه أقنعك ذلك فيما قدمناه من المعنى ، وأغناك عن التمحلات التي ارتكبوها في تفسير الآية بما لا جدوى في نقلها والبحث عنها.

قوله تعالى:"و لا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين"نهى عن الارتياب والامتراء أولا ثم ترقى إلى النهي عن التكذيب بآيات الله وهو العناد مع الحق استكبارا على الله فإن الآية لا تكون آية إلا مع وضوح دلالتها وظهور بيانها وتكذيب ما هذا شأنه لا يكون مبينا إلا على العناد واللجاج.

وقوله:"فتكون من الخاسرين"تفريع على التكذيب بآيات الله فهو نتيجته وعاقبته فهو المنهي عنه بالحقيقة.

والمعنى: ولا تكن من الخاسرين ، والخسران زوال رأس المال بانتقاصه أو ذهاب جميعه ، وهو الإيمان بالله وآياته الذي هو رأس مال الإنسان في سعادة حياته في الدنيا والآخرة على ما يستفاد من الآية التالية حيث يعلل خسرانهم بأنهم لا يؤمنون.

قوله تعالى:"إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية"إلخ ، تعليل للنهي السابق ببيان ما للمنهي عنه من الشأن فإن أصل النظم بحسب المعنى المستفاد من السياق أن يقال: لا تكونن من المكذبين لأن المكذبين لا يؤمنون فيكونون خاسرين لأن رأس مال السعادة هو الإيمان فوضع قوله"الذين حقت عليهم كلمة ربك"موضع"المكذبين"للأدلة على سبب الحكم وأن المكذبين إنما يخسرون لأن كلمة الله سبحانه تحق عليهم فالأمر على كل حال إلى الله سبحانه.

والكلمة الإلهية التي حقت على المكذبين بآيات الله هي قوله يوم شرع الشريعة العامة لآدم وزوجته فمن بعدهما من ذريتهما:"قلنا اهبطوا منها جميعا - إلى قوله - والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون:"البقرة: - 39.

وهذا هو الذي يريده بقوله في مقام بيان سبب خسران المكذبين: إن الذين حقت عليهم كلمة ربك"وهم المكذبون حقت عليهم كلمة العذاب فهم"لا يؤمنون"ولذلك كانوا خاسرين لأنهم ضيعوا رأس مال سعادتهم وهو الإيمان فحرموه وحرموا بركاته في الدنيا والآخرة ، وإذ حق عليهم أنهم لا يؤمنون فلا سبيل لهم إلى الإيمان ولو جاءتهم كل آية"حتى يروا العذاب الأليم"ولا فائدة في الإيمان الاضطراري."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت