و قد كرر الله سبحانه في كلامه هذا القول واستتباعه للخسران وعدم الإيمان كقوله:"لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون:"يس: - 7 ، وقوله:"لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين:"يس: - 70 أي بتكذيبهم بالآيات المستتبع لعدم إيمانهم فخسرانهم ، وقوله:"و حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس أنهم كانوا خاسرين:"حم السجدة: - 25 إلى غير ذلك.
وقد ظهر من الآيات أولا أن العناد مع الحق والتكذيب بآيات الله يحق كلمة العذاب الخالد على الإنسان.
وثانيا: أن رأس مال سعادة الحياة للإنسان هو الإيمان.
وثالثا: أن كل إنسان فهو مؤمن لا محالة إما إيمانا اختياريا مقبولا يسوقه إلى سعادة الحياة الدنيا والآخرة ، وإما إيمانا اضطراريا غير مقبول حيثما يرى العذاب الأليم.
قوله تعالى:"فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي"إلخ ، ظاهر السياق أن لو لا للتحضيض ، وأن المراد بقوله:"آمنت"الإيمان الاختياري الصحيح كما يشعر به قوله بعده:"فنفعها إيمانها"ولوقوع التحضيض على أمر ماض لم يتحقق أفادت الجملة معنى اليأس المساوق للنفي فاستقام الاستثناء الذي في قوله:"إلا قوم يونس".
والمعنى: هلا كانت قرية - من هذه القرى التي جاءتهم رسلنا فكذبوهم - آمنت قبل نزول العذاب إيمانا اختياريا فنفعها إيمانها.
لا ولم يؤمن إلا قوم يونس لما آمنت كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم بالحياة إلى حين آجالهم العادية الطبيعية.
ومنه يعلم أن الاستثناء متصل.
وذكر بعضهم أن المعنى لم يكن فيما خلا أن يؤمن أهل قرية بأجمعهم حتى لا يشذ منهم أحد إلا قوم يونس فهلا كانت القرى كلها هكذا.
وفيه أنه في نفسه معنى لا بأس فيه إلا أن الآية بلفظها لا تنطبق عليه بما فيه من الخصوصيات وهو ظاهر.
وذكر بعض آخر: أن المعنى لم يكن معهودا من حال قرية من القرى أن يكفر ثم يؤمن فينفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنت كشفنا عنهم العذاب ومتعناهم.
والإشكال عليه كالإشكال على سابقه.
قوله تعالى:"و لو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا"أي لكنه لم يشأ ذلك فلم يؤمن جميعهم ولا يؤمن فالمشيئة في ذلك إلى الله سبحانه ولم يشأ ذلك فلا ينبغي لك أن تطمع فيه ولا أن تجتهد لذلك لأنك لا تقدر على إكراههم وإجبارهم على الإيمان ، والإيمان الذي نريده منهم هو ما كان عن حسن الاختيار لا ما كان عن إكراه وإجبار.
ولذلك قال بعد ذلك في صورة الاستفهام الإنكاري:"أ فأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين"أي بعد ما بينا أن أمر المشية إلى الله وهو لم يشأ إيمان جميع الناس فلا يؤمنون باختيارهم البتة لم يبق لك إلا أن تكره الناس وتجبرهم على الإيمان ، وأنا أنكر ذلك عليك فلا أنت تقدر على ذلك ولا أنا أقبل الإيمان الذي هذا نعته.
قوله تعالى:"و ما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون"لما ذكر في الآية السابقة أن الأمر إلى الله سبحانه لو شاء أن يؤمن أهل الأرض جميعا لآمنوا لكنه لم يشأ فلا مطمع في إيمان الجميع زاد في هذه الآية في بيان ذلك ما محصله أن الملك - بالكسر - لله فله أصالة التصرف في كل أمر لا يشاركه في ذلك مشارك إلا أن يأذن لبعض ما خلقه في بعض التصرفات.
والإيمان بالله عن اختيار والاهتداء إليه أمر من الأمور يحتاج في تحققه إلى سبب يخصه ، ولا يؤثر هذا السبب ولا يتصرف في الكون بإيجاد مسببه إلا عن إذن من الله سبحانه في ذلك لكن الله سبحانه بجعل الرجس والضلال على أهل العناد والجحود لم يأذن في إيمانهم ، ولا رجاء في سعادتهم.
ولو أنه تعالى أذن في ذلك لأحد لأذن في إيمان غير أولئك المكذبين فقوله:"و ما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله"حكم عام حقيقي ينيط تملك النفوس للإيمان إلى إذن الله ، وقوله:"و يجعل الرجس"إلخ ، يسلب عن الذين لا يعقلون استعداد حصول الإذن فيبقى غيرهم.
وقد أريد في الآية بالرجس ما يقابل الإيمان من الشك والريب بمعنى أنه هو المصداق المنطبق عليه الرجس في المقام لما قوبل بالإيمان ، وقد عرف في قوله تعالى:"و من يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون:"الأنعام: - 125.