و قد أريد أيضا بقوله:"الذين لا يعقلون"أهل التكذيب بآيات الله من جهة أنهم ممن حقت عليه كلمة العذاب فإنهم الذين طبع الله على قلوبهم فهم لا يعقلون قال:"و طبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون:"التوبة: - 93.
قوله تعالى:"قل انظروا ما ذا في السماوات والأرض"أي من المخلوقات المختلفة المتشتتة التي كل واحد منها آية من آيات الله تعالى تدعو إلى الإيمان ، وقوله:"و ما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون"ظاهره أن"ما"استفهامية والجملة مسوقة بداعي الإنكار وإظهار الأسف كقول الطبيب: بما ذا أعالج الموت؟ أي أنا أمرناك أن تنذرهم بقولنا:"قل انظروا ما ذا في السموات"إلخ ، لكن أي تأثير للنذر فيهم أو للآيات فيهم وهم لا يؤمنون أي عازمون مجمعون على أن لا يؤمنوا بالطبع الذي على قلوبهم وربما قيل: إن ما نافية.
قوله تعالى:"فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم"تفريع على ما في الآية السابقة من قوله:"و ما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون"أي إذا لم تغن الآيات والنذر عنهم شيئا وهم لا يؤمنون البتة فهم لا ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ، وإنما يحبسون نفوسهم لآية العذاب الإلهي التي تفصل بينك وبينهم فتقضي عليهم لأنهم حقت عليهم كلمة العذاب.
ولذا أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبلغهم ذلك بقوله:"قل فانتظروا"أي مثل أيام الذين خلوا من قبلكم يعني يوم العذاب الذي يفصل بيني وبينكم فتؤمنون ولا ينفعكم إيمانكم"إني معكم من المنتظرين".
وقد تبين بما مر أن الاستفهام في الآية إنكاري.
قوله تعالى:"ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا"الجملة تتمة صدر الآية السابقة وقوله:"قل فانتظروا"إلخ ، جملة معترضة والنظم الأصلي بحسب المعنى"فهل ينتظرون"أي قومك هؤلاء"إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم"من الأمم الذين كانت تحق عليهم كلمة العذاب فنرسل إليهم آية العذاب"ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا".
وإنما اعترض بقوله:"قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين"بين الكلام لأنه يتعلق بالجزء الذي يتقدمه من مجموع الكلام المستفهم عنه فإنه المناسب لأن يجعل جوابا لهم ، وهو يتضمن انتظار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للقضاء بينه وبينهم ، وأما تنجيته وتنجية المؤمنين به فإن المنتظر لها هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنون لا هو وحده ولا يتعلق هذا الانتظار بفصل القضاء بل بالنجاة من العذاب وهو مع ذلك لا يتعلق به غرض في المقام الذي سيق فيه الكلام لإنذار المشركين لا لتبشير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين فافهم ذلك.
وأما قوله:"كذلك حقا علينا ننج المؤمنين"فمعناه كما كنا ننجي الرسل والذين آمنوا في الأمم السابقة عند نزول العذاب كذلك ننجي المؤمنين بك من هذه الأمة حق علينا ذلك حقا ، فقوله:"حقا علينا"مفعول مطلق قام مقام فعله المحذوف ، واللام في"المؤمنين"للعهد والمراد به مؤمنوا هذه الأمة ، وهذا هو الوعد الجميل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين من هذه الأمة بالإنجاء.
وليس من البعيد أن يستفاد من قوله:"ننج المؤمنين"أن فيه تلويحا إلى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يدرك هذا القضاء ، وإنما يقع بعد ارتحاله حيث ذكر المؤمنون ولم يذكر معهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أنه تعالى ذكر في السابقين رسله مع المؤمنين بهم كما ربما يخطر بالبال من تكرر قوله تعالى في كلامه:"فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون"أو ما في معناه.