فهرس الكتاب

الصفحة 2071 من 4314

قوله تعالى:"الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير"المقابلة بين الإحكام والتفصيل الذي هو إيجاد الفصل بين أجزاء الشيء المتصل بعضها ببعض ، والتفرقة بين الأمور المندمجة كل منها في آخر تدل على أن المراد بالإحكام ربط بعض الشيء ببعضه الآخر وإرجاع طرف منه إلى طرف آخر بحيث يعود الجميع شيئا واحدا بسيطا غير ذي أجزاء وأبعاض.

ومن المعلوم أن الكتاب إذا اتصف بالإحكام والتفصيل بهذا المعنى الذي مر فإنما يتصف بهما من جهة ما يشتمل عليه من المعنى والمضمون لا من جهة ألفاظه أو غير ذلك ، وأن حال المعاني في الإحكام والتفصيل والاتحاد والاختلاف غير حال الأعيان فالمعاني المتكثرة إذا رجعت إلى معنى واحد كان هذا الواحد هو الأصل المحفوظ في الجميع وهو بعينه على إجماله هذه التفاصيل ، وهي بعينها على تفاصيلها ذاك الإجمال وهذا كله ظاهر لا ريب فيه.

وعلى هذا فكون آيات الكتاب محكمة أولا ثم مفصلة ثانيا معناه أن الآيات الكريمة القرآنية على اختلاف مضامينها وتشتت مقاصدها وأغراضها ترجع إلى معنى واحد بسيط ، وغرض فارد أصلي لا تكثر فيه ولا تشتت بحيث لا تروم آية من الآيات الكريمة مقصدا من المقاصد ولا ترمي إلى هدف إلا والغرض الأصلي هو الروح الساري في جثمانه والحقيقة المطلوبة منه.

فلا غرض لهذا الكتاب الكريم على تشتت آياته وتفرق أبعاضه إلا غرض واحد متوحد إذا فصل كان في مورد أصلا دينيا وفي آخر أمرا خلقيا وفي ثالث حكما شرعيا وهكذا كلما تنزل من الأصول إلى فروعها ومن الفروع إلى فروع الفروع لم يخرج من معناه الواحد المحفوظ ، ولا يخطي غرضه فهذا الأصل الواحد بتركبه يصير كل واحد واحد من أجزاء تفاصيل العقائد والأخلاق والأعمال ، وهي بتحليلها وإرجاعها إلى الروح الساري فيها الحاكم على أجسادها تعود إلى ذاك الأصل الواحد.

فتوحيده تعالى بما يليق بساحة عزه وكبريائه مثلا في مقام الاعتقاد هو إثبات أسمائه الحسنى وصفاته العليا ، وفي مقام الأخلاق هو التخلق بالأخلاق الكريمة من الرضا والتسليم والشجاعة والعفة والسخاء ونحو ذلك والاجتناب عن الصفات الرذيلة ، وفي مقام الأعمال والأفعال الإتيان بالأعمال الصالحة والورع عن محارم الله.

وإن شئت فقل: إن التوحيد الخالص يوجب في كل من مراتب العقائد والأخلاق والأعمال ما يبينه الكتاب الإلهي من ذلك كما أن كلا من هذه المراتب وكذلك أجزاؤها لا تتم من دون توحيد خالص.

فقد تبين أن الآية في مقام بيان رجوع تفاصيل المعارف والشرائع القرآنية إلى أصل واحد هو بحيث إذا ركب في كل مورد من موارد العقائد والأوصاف والأعمال مع خصوصية ذلك المورد أنتج حكما يخصه من الأحكام القرآنية ، وبذلك يظهر: أولا: أن قوله:"كتاب"خبر لمبتدإ محذوف والتقدير: هذا كتاب ، والمراد بالكتاب هو ما بأيدينا من القرآن المقسم إلى السور والآيات ، ولا ينافي ذلك ما ربما يذكر أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ أو القرآن بما هو في اللوح فإن هذا الكتاب المقرو متحد مع ما في اللوح اتحاد التنزيل مع التأويل.

وثانيا: أن لفظة"ثم"في قوله:"ثم فصلت"إلخ ، لإفادة التراخي بحسب ترتيب الكلام دون التراخي الزماني إذ لا معنى للتقدم والتأخر الزماني بين المعاني المختلفة بحسب الأصلية والفرعية أو بالإجمال والتفصيل.

ويظهر أيضا ما في بعض ما ذكره أرباب التفاسير في معنى الآية كقول بعضهم: إن معناها أحكمت آياته فلم تنسخ منها كما نسخت الكتب والشرائع ثم فصلت ببيان الحلال والحرام وسائر الأحكام.

وفيه: أن الواجب على هذا المعنى أن يقيد عدم النسخ بعدم النسخ بكتاب غير القرآن ينسخ القرآن بعده كما نسخ القرآن غيره فإن وجود النسخ بين الآيات القرآنية نفسها مما لا ينبغي الارتياب فيه.

والتقييد المذكور لا دلالة عليه من جهة لفظ الآية.

وكقول بعضهم: إن المراد أحكمت آياته بالأمر والنهي ثم فصلت بالوعد والوعيد والثواب والعقاب.

وفيه أنه تحكم لا دليل عليه أصلا.

وكقول بعضهم: إن المراد إحكام لفظها بجعلها على أبلغ وجوه الفصاحة حتى صار معجزا ، وتفصيلها بالشرح والبيان.

والكلام في هذا الوجه كسابقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت