فهرس الكتاب

الصفحة 2072 من 4314

و كقول بعضهم: المراد بإحكام آياته جعلها محكمة متقنة لا خلل فيها ولا باطل ، والمراد بتفصيلها جعلها متتابعة بعضها إثر بعض.

وفيه: أن التفصيل بهذا المعنى غير معهود لغة إلا أن يفسر بمعنى التفرقة والتكثير ويرجع حينئذ إلى ما قدمناه من المعنى.

وكقول بعضهم: إن المراد أحكمت آياته جملة ثم فرقت في الإنزال آية بعد آية ليكون المكلف أمكن من النظر والتأمل.

وفيه: أن الأحرى بهذا الوجه أن يذكر في مثل قوله تعالى:"إنا أنزلناه في ليلة مباركة:"الدخان: - 3 ، وقوله:"و قرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا:"إسراء: - 106 وما في هذا المعنى من الآيات مما يدل على أن للقرآن مرتبة عند الله هي أعلى من سطح الأفهام ثم نزل إلى مرتبة تقبل التفهم والتفقه رعاية لحال الأفهام العادية كما يشير إليه أيضا قوله:"و الكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم:"الزخرف: - 4.

وأما آيتنا التي نحن فيها كتاب أحكمت آياته ثم فصلت"إلخ ، فقد علق فيها الإحكام والتفصيل معا على الآيات ، وليس ذلك إلا من جهة معانيها فتفيد أن الإحكام والتفصيل هما في معاني هذه الآيات المتكثرة فلها جهة وحدة وبساطة وجهة كثرة وتركب ، وينطبق على ما قدمناه من المعنى لا على ما ذكره الراجع إلى مسألة التأويل والتنزيل فافهم ذلك."

وكقول بعضهم: إن المراد بالإحكام والتفصيل إجمال بعض الآيات وتبيين البعض الآخر ، وقد مثل لذلك بقوله تعالى في هذه السورة:"مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع:"الآية: - 24 ، فإنه مجمل محكم يتبين بما ورد فيها من قصة نوح وهود وصالح.

وهكذا.

وفيه: أن ظاهر الآية أن الإحكام والتفصيل متحدان من حيث المورد بمعنى أن الآيات التي ورد عليها الإحكام بعينها هي التي ورد عليها التفصيل لا أن الإحكام وصف لبعض آياته والتفصيل وصف بعضها الآخر كما هو لازم ما ذكره.

وقوله تعالى:"من لدن حكيم خبير"الحكيم من أسمائه الحسنى الفعلية يدل على إتقان الصنع ، وكذا الخبير من أسمائه الحسنى يدل على علمه بجزئيات أحوال الأمور الكائنة ومصالحها ، وإسناد إحكام الآيات وتفصيلها إلى كونه تعالى حكيما خبيرا لما بينهما من النسبة.

قوله تعالى:"ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه"الآية ، وما بعدها تفسير لمضمون الآية الأولى:"كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير"وإذ كانت الآية تتضمن أنه كتاب من الله إلى... له آيات محكمة ثم مفصلة كانت العناية في تفسيرها متوجه إلى إيضاح هذه الجهات.

ومن المعلوم أن هذا الكتاب الذي أنزله الله تعالى من عنده إلى رسوله ليتلوه على الناس ويبلغهم له وجه خطاب إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ووجه خطاب إلى الناس بوساطته أما وجه خطابه إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الذي يتلقاه الرسول من وحي الله فهو أن أنذر وبشر وادع الناس إلى كذا وكذا ، وهذا الوجه هو الذي عني به في أول سورة يونس حيث قال تعالى:"أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم:"يونس: - 2.

وأما وجه خطابه إلى الناس وهو الذي يتلقاه الناس من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو ما يلقيه إلى الناس من المعنى في ضمن تلاوته كلام الله عليهم بعنوان الرسالة أني أدعوكم إلى الله دعوة نذير وبشير ، وهذا الوجه من الخطاب هو الذي عنى به في قوله:"ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير"إلخ.

فالآية من كلام الله تفسر معنى إحكام آيات الكتاب ثم تفصيلها بحكاية ما يتلقاه الناس من دعوة الرسول إياهم بتلاوة كتاب الله عليهم ، وليس كلاما للرسول بطريق الحكاية ولا بتقدير القول ولا من الالتفات في شيء ، ولا أن التقدير: أمركم بأن لا تعبدوا أو:"فصلت آياته لأن لا تعبدوا إلا الله"بأن يكون قوله:"لا تعبدوا"نفيا لا نهيا فإن قوله بعد:"و أن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه"معطوف على قوله: ألا تعبدوا إلا الله ، وهو يشهد بأن"لا تعبدوا"نهي لا نفي.

على أن التقدير لا يصار إليه من غير دليل فافهم ذلك فإنه من لطيف صنعة البلاغة في الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت