و على هذا فقوله:"ألا تعبدوا إلا الله"دعوة إلى توحيد العبادة بالنهي عن عبادة غير الله من الآلهة المتخذة شركاء لله ، وقصر العبادة فيه تعالى ، وقوله:"و أن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه"أمر بطلب المغفرة من الله وقد اتخذوه ربا لهم برفض عبادة غيره ثم أمر بالتوبة والرجوع إليه بالأعمال الصالحة ويتحصل من الجميع سلوك الطريق الطبيعي الموصل إلى القرب والزلفى منه تعالى ، وهو رفض الآلهة دون الله ثم طلب المغفرة والطهارة النفسانية للحضور في حظيرة القرب ثم الرجوع إليه تعالى بالأعمال الصالحة.
وقد جيء بأن التفسيرية ثانيا في قوله:"و أن استغفروا"إلخ ، لاختلاف ما بين المرحلتين اللتين يشير إليهما قوله:"ألا تعبدوا إلا الله"وهي مرحلة التوحيد بالعبادة مخلصا ، وقوله:"و أن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه"وهي مرحلة العمل الصالح وإن كانت الثانية من نتائج الأولى وفروعها.
ولكون التوحيد هو الأصل الأساسي والاستغفار والتوبة نتيجة وفرعا متفرعا عليه أورد النذر والبشارة بعد ذكر التوحيد ، والوعد الجميل الذي يتضمنه قوله:"يمتعكم"إلخ ، بعد ذكر الاستغفار والتوبة فقال:"ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير"فبين به أن النذر والبشرى كائنين ما كانا يرجعان إلى التوحيد ويتعلقان به ثم قال:"و أن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا"إلخ فإن الآثار القيمة والنتائج الحسنة المطلوبة إنما تترتب على الشيء بعد ما تم في نفسه وكمل بصفاته وفروعه ونتائجه ، والتوحيد وإن كان هو الأصل الوحيد للدين على سعته لكن شجرته لا تثمر ما لم تقم على ساقها ويتفرع عليها فروعها وأغصانها ،"كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها".
والظاهر أن المراد بالتوبة في الآية الإيمان كما في قوله تعالى:"فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك:"المؤمنون: - 7 فيستقيم الجمع بين الاستغفار والتوبة مع عطف التوبة عليه بثم ، والمعنى اتركوا عبادة الأصنام بعد هذا واطلبوا من ربكم غفران ما قدمتم من المعصية ثم آمنوا بربكم.
وقيل: إن المعنى اطلبوا المغفرة واجعلوها غرضكم ثم توصلوا إليه بالتوبة وهو غير جيد ومن التكلف ما ذكره بعضهم أن المعنى: استغفروا من ذنوبكم الماضية ثم توبوا إليه كلما أذنبتم في المستقبل وكذا قول آخر: إن"ثم"في الآية بمعنى الواو لأن التوبة والاستغفار واحد.
وقوله:"يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى"الأجل المسمى هو الوقت الذي ينتهي إليه الحياة لا تتخطاه البتة ، فالمراد هو التمتيع في الحياة الدنيا بل بالحياة الدنيا لأن الله سبحانه سماها في مواضع من كلامه متاعا ، فالمتاع الحسن إلى أجل مسمى ليس إلا الحياة الدنيا الحسنة.
فيئول معنى قوله:"يمتعكم متاعا حسنا"على تقدير كون"متاعا"مفعولا مطلقا إلى نحو من قولنا: يمتعكم تمتيعا حسنا بالحياة الحسنة الدنيوية"و متاع الحياة إنما يكون حسنا إذا ساق الإنسان إلى سعادته الممكنة له ، وهداه إلى أماني الإنسانية من التنعم بنعم الدنيا في سعة وأمن ورفاهية وعزة وشرافة فهذه الحياة الحسنة تقابل المعيشة الضنك التي يشير إليها في قوله:"و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا:"طه: - 124."
ولا حسن لمتاع الحياة الدنيا ولا سعة في المعيشة لمن أعرض عن ذكر الله ولم يؤمن بربه فإن البعض من الناس وإن أمكن أن يؤتى سعة من المال وعلوا في الأرض ثم يحسب أن لا أمنية من أماني الإنسانية إلا وقد أوتيها لكنه في غفلة عن ابتهاج من تحقق بحقيقة الإيمان بالله ودخل في ولاية الله فآتاه الله الحياة الطيبة الإنسانية ، وآمنه من ذلة الحياة الحيوانية التي لا حكومة فيها إلا للحرص والشره والافتراس والتكلب والجهالة ، فالنفس الحرة الإنسانية تذم من الحياة ما يستأثره النفوس الرذيلة الخسيسة وإن استتبع الذلة والمسكنة وكل شناعة.
فالحياة الحسنة لمجتمع صالح حر أن يشتركوا في التمتع من مزايا النعم الأرضية التي خلقها الله لهم اشتراكا عن تراحم بينهم وتعاون وتعاضد من غير تعد وتزاحم بحيث يطلب كل خير نفسه ونفعها في خير مجتمعه ونفعه من غير أن يعبد نفسه ويستعبد الآخرين.