فهرس الكتاب

الصفحة 2074 من 4314

و بالجملة التمتع بالحياة الحسنة إلى أجل مسمى هو تمتع الفرد بالحياة على ما تستحسنه الفطرة الإنسانية وهو الاعتدال في التمتعات المادية في ضوء العلم النافع والعمل الصالح هذا إذا نسب إلى الفرد ، وأما إذا نسب إلى المجتمع فهو الانتفاع العام من نعم الحياة الأرضية الطيبة بتخصيص ما يناله الأفراد بكدهم وسعيهم بالمجتمع الملتئم الأجزاء من غير تضاد بين أبعاضه أو تناقض.

وقوله:"و يؤت كل ذي فضل فضله"الفضل هو الزيادة وإذ نسب الفضل في قوله:"كل ذي فضل"إلى من عنده الفضل من الأفراد كان ذلك قرينة على كون الضمير في"فضله"راجعا إلى ذي الفضل دون اسم الجلالة كما احتمله بعضهم والفضل والزيادة من المعاني النسبية التي إنما تتحقق بقياس شيء إلى شيء وإضافته إليه.

فالمعنى: ويعطي كل من زاد على غيره بشيء من صفاته وأعماله وما يقتضيه من الاختصاص بمزيد الأجر وخصوصه موهبة السعادة تلك الزيادة من غير أن يبطل حقه أو يغصب فضله أو يملكه غيره كما يشاهد في المجتمعات غير الدينية وإن كانت مدنية راقية فلم تزل البشرية منذ سكنت الأرض وكونت أنواع المجتمعات الهمجية أو الراقية أو ما هي أرقى تنقسم إلى طائفتين مستعلية مستكبرة قاهرة ، ومستذلة مستعبدة مقهورة ، وليس يعدل هذا الإفراط والتفريط ولا يسوي هذا الاختلاف إلا دين التوحيد.

فدين التوحيد هو السنة الوحيدة التي تقصر المولوية والسيادة في الله سبحانه وتسوي بين القوي والضعيف والمتقدم والمتأخر والكبير والصغير والأبيض والأسود والرجل والمرأة وتنادي بمثل قوله تعالى:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم:"الحجرات: - 13 ، وقوله:"أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض:"آل عمران: - 195.

ثم إن وقوع قوله:"و يؤت كل ذي فضل فضله"الحاكي عن الاعتناء بفضل كل ذي فضل بعد قوله:"يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى"الدال على تمتيع الجميع مشعر: أولا: بأن المراد بالجملة الأولى المتاع العام المشترك بين أفراد المجتمع وبعبارة أخرى حياة المجتمع العامة الحسنة ، وبالجملة الثانية المزايا التي يؤتاها بعض الأفراد قبال ما يختصون به من الفضل.

وثانيا: أن الجملة الأولى تشير إلى التمتيع بمتاع الحياة الدنيا والثانية إلى إيتاء ثواب الآخرة قبال الأعمال الصالحة القائمة بالفرد أو إيتاء كل ذي فضل فضله في الدنيا والآخرة معا بتخصيص كل من جاء بزيادة في جهة دنيوية بما تقتضيه زيادته من المزية في جهات الحياة بإقامة كل ذي فضيلة في صفة أو عمل مقامه الذي تقتضيه صفته أو عمله ووضعه موضعه من غير أن يسوي بين الفاضل والمفضول في دينهما أو تزاح الخصوصيات وتبطل الدرجات والمنازل بين الأعمال والمساعي الاجتماعية فلا يتفاوت حال الناشط في عمله والكسلان ، ولا يختلف أمر المجتهد في العمل الدقيق المهم في بابه واللاعب بالعمل الحقير الهين وهكذا.

وقوله:"و إن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير"أي فإن تتولوا إلخ بالخطاب ، والدليل عليه قوله:"عليكم"وما تقدم في الآيتين من الخطابات المتعددة فلا يصغي إلى قول من يأخذ قوله:"تولوا"جمعا مذكرا غائبا من الفعل الماضي فإنه ظاهر الفساد.

وقد أغرب بعض المفسرين حيث قال في قوله تعالى:"يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى": والآية تتضمن نجاة هذه الأمة المحمدية من عذاب الاستئصال كما بيناه في تفسير سورة يونس أيضا انتهى ، ولست أدري كيف استفاد من الآية ما ذكره ولعله بنى ذلك على أن الآية اشترطت للأمة الحياة الحسنة من غير استئصال إن آمنوا بالله وآياته ثم إنهم آمنوا وانتشر الإسلام في الدنيا ، لكن من المعلوم أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مرسل إلى أهل الدنيا عامة ولم يؤمن به عامتهم ، ولا أن المؤمنين به أخلصوا جميعا إيمانهم من النفاق وسرى الإيمان من ظاهرهم إلى باطنهم ومن لسانهم إلى جنانهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت