فهرس الكتاب

الصفحة 2096 من 4314

فالمراد بها البصيرة الإلهية التي أوتيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا نفس القرآن النازل عليه فإنه لا يحسن ظاهرا أن يتفرع عليه قوله:"فلا تك في مرية منه"وهو ظاهر ولا ينافيه كون القرآن في نفسه بينة من الله من جهة كونه آية منه تعالى كما في قوله:"قل إني على بينة من ربي وكذبتم به:"الأنعام: - 57 فإن المقام غير المقام.

وبما مر يظهر أن قول من يقول: إن المراد بمن كان إلخ ، النبي خاصة إرادة استعمالية ليس في محله وإنما هو مراد بحسب انطباق المورد.

وكذا قول من قال: إن المراد به المؤمنون من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا دليل على التخصيص.

ويظهر أيضا فساد القول بأن المراد بالبينة هو القرآن ، وكذا القول بأنها حجة العقل وأضيفت إلى الرب تعالى لأنه ينصب الأدلة العقلية والنقلية.

ووجه فساده أنه لا دليل على التخصيص ولا تقاس البينة القائمة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من ناحيته تعالى بالتعريف الإلهي القائم لنا من ناحية العقول.

وقوله تعالى:"و يتلوه شاهد منه"المراد بالشهادة تأدية الشهادة التي تفيد صحة الأمر المشهود له دون تحملها فإن المقام مقام تثبيت حقية القرآن وهو إنما يناسب الشهادة بمعنى التأدية لا بمعنى التحمل.

والظاهر أن المراد بهذا الشاهد بعض ما أيقن بحقية القرآن وكان على بصيرة إلهية من أمره فآمن به عن بصيرته وشهد بأنه حق منزل من عند الله تعالى كما يشهد بالتوحيد والرسالة فإن شهادة الموقن البصير على أمر تدفع عن الإنسان مرية الاستيحاش وريب التفرد فإن الإنسان إذا أذعن بأمر وتفرد فيه ربما أوحشه التفرد فيه إذا لم يؤيده أحد في القول به أما إذا قال به غيره من الناس وأيد نظره في ذلك زالت عنه الوحشة وقوي قلبه وارتبط جأشه وقد احتج تعالى بما يماثل هذا المعنى في قوله:"قل أ رأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم:"الأحقاف: - 10.

وعلى هذا فقوله:"يتلوه"من التلو لا من التلاوة ، والضمير فيه راجع إلى"من"أو إلى"بينة"باعتبار أنه نور أو دليل ، ومآل الوجهين واحد فإن الشاهد الذي يلي صاحب البينة يلي بينته كما يلي نفسه والضمير في قوله:"منه"راجع إلى"من"دون قوله:"ربه"وعدم رجوعه إلى البينة ظاهر ومحصل المعنى: من كان على بصيرة إلهية من أمر ولحق به من هو من نفسه فشهد على صحة أمره واستقامته.

وعلى هذا الوجه ينطبق ما ورد في روايات الفريقين أن المراد بالشاهد علي (عليه السلام) إن أريد به أنه المراد بحسب انطباق المورد لا بمعنى الإرادة الاستعمالية.

وللقوم في معنى الجملة أقوال شتى فقيل: إن"يتلو"من التلاوة كما قيل: إنه من التلو ، وقيل: إن الضمير في"يتلوه"راجع إلى"بينة"كما قيل: إنه راجع إلى"من".

وقيل: المراد بالشاهد القرآن: وقيل: جبرائيل يتلو القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولعله مأخوذ من قوله تعالى:"لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون:"النساء: - 166 ، وقيل: الشاهد ملك يسدد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويحفظه القرآن ، ولعله لنوع من الاستناد إلى الآية المذكورة.

وقيل: الشاهد هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد قال تعالى:"يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا:"الأحزاب: 45 ، وقيل: شاهد منه لسانه أي يتلو القرآن بلسانه.

وقيل: الشاهد علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وقد وردت به عدة روايات من طرق الشيعة وأهل السنة.

والتأمل في سياق الآية وظاهر جملها يكفي مئونة إبطال هذه الوجوه غير ما قدمناه من معنى الآية فلا نطيل الكلام بالبحث عنها والمناقشة فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت