فهرس الكتاب

الصفحة 2097 من 4314

و قوله تعالى:"و من قبله كتاب موسى إماما ورحمة"الضمير راجع إلى الموصول أو إلى البينة على حد ما ذكرناه في ضمير"يتلوه"والجملة حال بعد حال أي أ فمن كان على بصيرة إلهية ينكشف له بها أن القرآن حق منزل من عند الله والحال أن معه شاهدا منه يشهد بذلك عن بصيرة والحال أن هذا الذي هو على بينة سبقه كتاب موسى إماما ورحمة أو قبل بينته التي منها القرآن أو هي القرآن المشتمل على المعارف والشرائع الهادية إلى الحق كتاب موسى إماما فليس هو أو ما عنده من البينة ببدع من الأمر غير مسبوق بمثل ونظير بل هناك طريق مسلوك من قبل يهدي إليه كتاب موسى.

ومن هنا يظهر وجه توصيف كتاب موسى وهو التوراة بالإمام والرحمة فإنه مشتمل على معارف حقة وشريعة إلهية يؤتم به في ذلك ويتنعم بنعمته ، وقد ذكره الله بهذا الوصف في موضع آخر من كلامه فقال:"قل أ رأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم - إلى أن قال - وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين:"الأحقاف: - 12.

والآيات - كما ترى - أقرب الآيات مضمونا من الآية المبحوث عنها تذكر أولا: أن القرآن بينة إلهية أو أمر قامت عليه بينة إلهية ثم تذكر شهادة الشاهد من بني إسرائيل عليه وتأيده بها ثم تذكر أنه مسبوق فيما يتضمنه من المعارف والشرائع بكتاب موسى الذي كان إماما ورحمة يأتم به الناس ويهتدون ، وطريقا مسلوكا مجربا ، والقرآن كتاب مثله مصدق له منزل من عند الله لإنذار الظالمين وتبشير المحسنين.

ومن هنا يظهر أيضا: أن قوله:"إماما ورحمة"حال من كتاب موسى لا من قوله:"شاهد منه"على ما ذكره بعضهم.

قوله تعالى:"أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده"المشار إليهم بقوله:"أولئك"بناء على ما تقدم من معنى صدر الآية هم الذين كانوا على بينة من ربهم المدلول عليهم بقوله:"أ فمن كان"إلخ ، وأما إرجاع الإشارة إلى المؤمنين لدلالة السياق عليهم فبعيد عن الفهم.

وكذا الضمير في قوله:"به"راجع إلى القرآن من جهة أنه بينة منه تعالى أو أمر قامت عليه البينة ، وأما إرجاعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يلائم ما قررناه من معنى الآية فإن في صدر الآية بيان حال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنحو العموم حتى يتفرع عليه قوله:"فلا تك في مرية منه"كأنه قيل: إنك على بينة كذا ومعك شاهد وقبلك كتاب موسى ، ومن كان على هذه الصفة يؤمن بما أوتي من كتاب الله ، ولا يصح أن يقال: ومن كان على هذه الصفة يؤمن بك ، والكلام في الضمير في"و من يكفر به"كالكلام في ضمير"يؤمنون به".

وأمر الآية فيما يحتمله مفردات ألفاظها وضمائرها عجيب فضرب بعضها في بعض يرقى إلى ألوف من المحتملات بعضها صحيح وبعضها خلافه.

قوله تعالى:"فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون"المرية كجلسة النوع من الشك ، والجملة تفريع على صدر الآية ، والمعنى أن من كان على بينة من ربه في أمر وقد شهد عليه شاهد منه وقبله إمام ورحمة ككتاب موسى ليس كغيره من الناس الغافلين المغفلين فهو يؤمن بما عنده من أمر الله ولا يوحشه إعراض أكثر الناس عما عنده ، وأنت كذلك فإنك على بينة من ربك ويتلوك شاهد ومن قبلك كتاب موسى إماما ورحمة وإذا كان كذلك فلا تك في مرية من أمر ما أنزل إليك من القرآن إنه محض الحق من جانب الله ولكن أكثر الناس لا يؤمنون.

وقوله:"إنه الحق من ربك"تعليل للنهي وقد أكد بإن ولام الجنس للدلالة على توافر الأسباب النافية للمرية وهي قيام البينة وشهادة الشاهد وتقدم كتاب موسى إماما ورحمة.

قوله تعالى:"و من أظلم ممن افترى على الله كذبا"إلى آخر الآية ، من الممكن أن يكون ذيلا للسياق السابق من حيث كان تطييبا لنفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيئول المعنى إلى أنك إذ كنت على بينة من ربك لست بظالم فحاشاك أن تكون مفتريا على الله الكذب لأن المفتري على الله كذبا من أظلم الظالمين ، ولهم من وبال كذبهم كذا وكذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت