فهرس الكتاب

الصفحة 2098 من 4314

و كيف كان فالمراد بافتراء الكذب على الله سبحانه توصيفه تعالى بما ليس فيه أو نسبة شيء إليه بغير الحق أو بغير علم ، والافتراء من أظهر أفراد الظلم والإثم ، ويعظم الظلم بعظم متعلقه حتى إذا انتهى إلى ساحة العظمة والكبرياء كان من أعظم الظلم.

والكلام واقع موقع قلب الدعوى عليهم إذ كانوا يقولون للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنه افترى على الله كذبا بنسبة القرآن إليه فقلب القول عليهم أنهم هم الذين افتروا على الله كذبا إذا أثبتوا له شركاء بغير علم وهو الله لا إله إلا هو ، وإذ صدوا عن سبيل الله ومعناه نفي كونه سبيلا لله وهو افتراء ، وإذ طلبوا سبيلا أخرى فاستنوا بها في حياتهم وكان ذلك تغييرا لسبيل الله التي تهدي إليها الفطرة والنبوة ، وإذ كفروا بالآخرة فنفوها وذلك إثبات مبدإ من غير معاد ونسبة اللغو وفعل الباطل إليه تعالى وهو افتراء عليه.

وبالجملة انتحالهم بغير دين الله ونحلته ، وأخذهم بالعقائد الباطلة في المبدإ والمعاد واستنانهم بغير سنة الله في حياتهم الدنيوية الاجتماعية - والذي من الله إنما هو الحق ولا سنة عند الله إلا دين الحق - افتراء على الله ، وسيشهد عليهم الأشهاد بذلك يوم يعرضون على ربهم.

وقوله تعالى:"أولئك يعرضون على ربهم"العرض إظهار الشيء ليرى ويوقف عليه ، ولما كان ارتفاع الحجب بينهم وبين ربهم يوم القيامة بظهور آياته ووضوح الحق الصريح من غير شاغل يشغل عنه حضورا اضطراريا منهم لفصل القضاء سماه عرضا لهم على ربهم كما سمي بوجه آخر بروزا منهم لله فقال:"يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء:"المؤمن: - 16 ، وقال:"و برزوا لله الواحد القهار:"إبراهيم: - 48 فقال:"أولئك يعرضون على ربهم"أي يأتي بهم الملائكة الموكلون بهم فيوقفونهم موقفا ليس بينهم وبين ربهم حاجب حائل لفصل القضاء.

وقوله:"و يقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم"الأشهاد جمع شهيد كأشراف جمع شريف وقيل: جمع شاهد كأصحاب جمع صاحب ، ويؤيد الأول قوله تعالى:"فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد:"النساء: - 41 وقوله:"و جاءت كل نفس معها سائق وشهيد:"ق: - 21.

وقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم شهادة منهم عليهم بالافتراء على الله أي سجل عليهم بأنهم المفترون من جهة شهادة الأشهاد عليهم بذلك في موقف لا يذكر فيه إلا الحق ولا مناص فيه عن الاعتراف والقبول كما قال تعالى:"لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا:"النبأ: - 38 وقال تعالى:"يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا:"آل عمران: - 30.

قوله تعالى:"ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله"إلخ ، تتمة قول الأشهاد ، والدليل عليه قوله تعالى:"فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون:"الأعراف: - 45.

وهذا القول منهم المحكي في كلامه تعالى تثبيت منهم للبعد واللعن على الظالمين وتسجيل للعذاب ، وليس اللعن والرحمة يوم القيامة كاللعن والرحمة في الدنيا كما في قوله تعالى:"أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون:"البقرة: - 159 وذلك أن الدنيا دار عمل ويوم القيامة يوم جزاء فما فيه من لعنة أو رحمة هو إيصال ما ادخر لهم إليهم فلعن اللاعن أحدا يوم القيامة طرده من رحمة الله الخاصة بالمؤمنين وتسجيل عذاب البعد عليه.

ثم فسر سبحانه الظالمين بقوله حكاية عنهم:"الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون"فهم الذين لا يذعنون بيوم الحساب حتى يعملوا له وإنما يعملون للدنيا ويسلكون من طريق الحياة ما يتمتعون به للدنيا المادية فحسب ، وهو السنة الاجتماعية غير المعتنية بما يريده الله من عباده من دين الحق وملة الفطرة فهؤلاء سواء اعتقدوا بصانع وعملوا بسنة محرفة منحرفة عن دين الفطرة وهو الإسلام أم لم يعتقدوا به ممن يقول: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ، ظالمون مفترون على الله الكذب ، وقد تقدم بعض الكلام المتعلق بهذه المعاني في سورة الأعراف آية 44 - 45.

وقد بان مما تقدم من البحث في الآيتين أولا: أن الدين في عرف القرآن هو السنة الاجتماعية الدائرة في المجتمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت