فهرس الكتاب

الصفحة 2099 من 4314

و ثانيا: أن السنن الاجتماعية إما دين حق فطري وهو الإسلام أو دين محرف عن الدين الحق وسبيل الله عوجا.

قوله تعالى:"أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء"إلى آخر الآية.

الإشارة إلى المفترين على الله الموصوفين بما مر في الآيتين السابقتين.

والمقام يدل على أن المراد من كونهم غير معجزين في الأرض أنهم لم يكونوا معجزين لله سبحانه في حياتهم الأرضية حيث خرجوا عن زي العبودية فأخذوا يفترون على الله الكذب ويصدون عن سبيله ويبغونها عوجا فكل ذلك لا لأن قدرتهم المستعارة فاقت قدرة الله سبحانه ومشيتهم سبقت مشيته ، ولا لأنهم خرجوا من ولاية الله فدخلوا في ولاية غيره وهم الذين اتخذوهم أولياء من أصنامهم وكذا سائر الأسباب التي ركنوا إليها ، وذلك قوله:"و ما كان لهم من دون الله من أولياء".

وبالجملة لا قدرتهم غلبت قدرة الله سبحانه ولا شركاؤهم الذين يسمونهم أولياء لأنفسهم أولياء لهم بالحقيقة يدبرون أمرهم ويحملونهم على ما يأتون به من البغي والظلم بل الله سبحانه هو وليهم وهو المدبر لأمرهم يجازيهم على سوء نياتهم وأعمالهم بما يجرهم إلى سوء العذاب ويستدرجهم من حيث لا يشعرون كما قال تعالى:"فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم:"الصف: - 5 ، وقال:"يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين:"البقرة: - 26.

وقوله:"يضاعف لهم العذاب"ذلك لأنهم فسقوا ثم لجوا عليه أو لأنهم عصوا الله بأنفسهم وحملوا غيرهم على معصية الله فيضاعف لهم العذاب كما ضاعفوا المعصية قال تعالى:"ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم:"النحل: - 25 وقال:"و نكتب ما قدموا وآثارهم:"يس: - 12.

وقوله:"ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون"في مقام التعليل ولذا جيء بالفصل يقول تعالى إنهم لم يكفروا ولم يعصوا لظهور إرادتهم على إرادة الله ولا لأن لهم أولياء من دون الله يستظهرون بهم على الله بل لأنهم ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا ما يأتيهم من الإنذار والتبشير من ناحيته أو يذكر لهم من البعث والزجر من قبله وما كانوا يبصرون آياته حتى يؤمنوا بها كما وصفهم في قوله:"لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل:"الأعراف: - 179 ، وفي قوله:"و نقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة:"الأنعام: - 110 ، وقوله:"ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة:"البقرة: - 7 ، وآيات أخرى كثيرة تدل على أنه تعالى سلبهم عقولهم وأعينهم وآذانهم غير أنه تعالى يحكي عنهم مثل قولهم:"و قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم:"، الملك: - 11 ، واعترافهم بأن عدم سمعهم وعقلهم كان ذنبا منهم مع أن ذلك مستند إلى سلبه تعالى منهم ذلك يدل على أنهم أنفسهم توسلوا إلى سلب هذه النعم بالذنوب كما يدل عليه ما تقدم من قوله تعالى:"و ما يضل به إلا الفاسقين:"البقرة: - 26 وغيره.

وذكروا في معنى قوله:"ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون"وجوها أخرى: منها: أن قوله: ما كانوا"إلخ"، في محل النصب بنزع الخافض وهو متعلق بقوله: يضاعف"إلخ"، والأصل: بما كانوا يستطيعون السمع وبما كانوا يبصرون ، والمعنى يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع فلا يسمعون وبما كانوا يستطيعون الإبصار فلا يبصرون.

ومنها: أنه عنى بقوله:"ما كانوا يستطيعون"إلخ ، نفي السمع والبصر عن آلهتهم وأوثانهم ، وتقدير الكلام أولئك الكفار وآلهتهم لم يكونوا معجزين في الأرض ، وقال مخبرا عن الآلهة: ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون.

ومنها: أن لفظة ما في"ما كانوا"ليست للنفي بل تجري مجرى قولهم: لأواصلنك ما لاح نجم ، والمعنى أنهم معذبون ما داموا أحياء.

ومنها: أن نفي السمع والبصر بمعنى نفي الفائدة فإنهم لاستثقالهم استماع آيات الله والنظر فيها وكراهيتهم لذلك أجروا مجرى من لا يستطيع السمع ولا يبصر فالكلام على الكناية.

وأعدل الوجوه آخرها وهي جميعا سخيفة ظاهرة السخافة والوجه ما قدمناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت