فهو (عليه السلام) كان يدعوهم إلى رفض عبادة الأوثان ويخوفهم من يوم ينزل عليهم من الله عذاب أليم أي مؤلم ونسبة الإيلام إلى اليوم دون العذاب في قوله:"عذاب يوم أليم"من قبيل وصف الظرف بصفة المظروف.
وبما تقدم يندفع ما ربما قيل: إن تعذيب المشركين مقطوع لا محتمل فما الوجه في خوفه (عليه السلام) من تعذيبهم المقطوع؟ والخوف إنما يستقيم في محتمل الوقوع لا مقطوعه.
وبالجملة كان (عليه السلام) يدعوهم إلى توحيد الله سبحانه بتخويفهم من العذاب ، وإنما كان يخوفهم لأنهم كانوا يعبدون الأوثان خوفا من سخطهم فقابلهم نوح (عليه السلام) بأن الله سبحانه هو الذي خلقهم ودبر شئون حياتهم وأمور معاشهم بخلق السماوات والأرض وإشراق الشمس والقمر وإنزال الأمطار وإنبات الأرض وإنشاء الجنات وشق الأنهار على ما يحكيه تعالى عنه (عليه السلام) في سورة نوح.
وإذ كان كذلك كان الله سبحانه هو ربهم لا رب سواه فليخافوا عذابه وليعبدوه وحده.
وهذه الحجة في الحقيقة حجة برهانية مبنية على اليقين لكنهم إنما كانوا يتلقونها حجة جدلية مبنية على الظن لأنهم لسذاجة أفهامهم كانوا يتوقعون سخط الرب وعذابه على المخالفة لأنهم يرونه وليا لأمرهم مصلحا لشأنهم فيقيسون أمره بأمر الأولياء من الإنسان الحاكمين في من دونهم من أفراد المجتمع الذين يجب الخضوع لمقامهم والتسليم لإرادتهم ولو استكبر عن الخضوع لهم والتسليم لإرادتهم من دونهم سخطوا عليهم وعاقبوهم بما أجرموا وتمردوا.
وعلى هذا القياس يجب إرضاء الرب أو الأرباب الذين يرجع إليهم أمر الكون وولاية النظام الجاري فيه فيجب إرضاؤه وإخماد نار غضبه بالخضوع له والتقرب إليه بتقديم القرابين والتضحية وسائر أنحاء العبادة فهكذا كانوا يعتقدون وهو مبني على الظن.
لكن مسألة نزول العذاب على الاستنكاف عن عبادة الله تعالى والاستكبار عن التسليم والخضوع لساحة الربوبية مسألة حقيقية يقينية فإن من النواميس الكلية الجارية في الكون لزوم خضوع الضعيف للقوي والمتأثر المقهور للمؤثر القاهر فما قولك في الله الواحد القهار الذي إليه مصير الأمور.
وقد أبدع الله سبحانه أجزاء الكون وربط بعضها ببعض ثم أجرى الحوادث على نظام الأسباب وعلى ذلك يجري كل شيء في نظام وجوده فلو انحرف عما يخطه له سائر الأسباب من الخط أدى ذلك إلى اختلال نظامها وكان ذلك منازعة منه لها وعند ذلك ينتهض سائر الأسباب الكونية من أجزاء الوجود لتعديل أمره وإرجاعه إلى خط يلائمها تدفع بذلك الشر عن نفسها فإن استقام هذا الجزء المنحرف عن خطه المخطوط له فهو وإلا حطمتها حاطمات الأسباب ونازلات النوائب والبلايا ، وهذا أيضا من النواميس الكلية.
والإنسان الذي هو أحد أجزاء الكون له في حياته خط خطه له الصنع والإيجاد فإن سلكه هداه إلى سعادته ووافق بذلك سائر أجزاء الكون وفتحت له أبواب السماء ببركاتها وسمحت له الأرض بكنوز خيراتها ، وهذا هو الإسلام الذي هو الدين عند الله تعالى المدعو إليه بدعوة نوح ومن بعده من الأنبياء والرسل (عليهم السلام) .
وإن تخطاه وانحرف عنه فقد نازع أسباب الكون وأجزاء الوجود في نظامها الجاري وزاحمها في شئون حياتها فليتوقع مر البلاء ولينتظر العذاب والعناء فإن استقام في أمره وخضع لإرادة الله سبحانه وهي ما تحطمه من الأسباب العامة فمن المرجو أن تتجدد له النعمة بعد النقمة وإلا فهو الهلاك والفناء وإن الله لغني عن العالمين ، وقد تقدم هذا البحث في بعض أجزاء الكتاب السابقة.
قوله تعالى:"فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا"إلى آخر الآية ، الفاء في صدر الآية لتفريع جوابهم عن قول نوح (عليه السلام) ، وفيه إشارة إلى أنهم بادروه بالرد والإنكار من دون أن يفكروا في أنفسهم فيختاروا ما هو أصلح لهم.